.๑. My SMS .๑.

(فاستبقوا الخيرات)ينبغي للإنسان أن يسارع في الخيرات، كلما ذُكر له شيء من الخير بادر إليه لأن الإنسان لا يدري فربما يتوانى في شيء ولا يقدر عليه بعد ذلك إما بموت أو مرض أو فوات أو غير هذا ، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أقواما في مؤخرة المسجد لم يسبقوا ولم يتقدموا فقال "لايزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل "وكم من إنسان توانى ففاته خير كثير،فانتهز الفرصة واسبق إلى الخير../شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

 

‏إظهار الرسائل ذات التسميات صوتيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صوتيات. إظهار كافة الرسائل
الخميس، 19 يوليو 2012

رتب رمضانك - للشيخ الدكتور علي الشبيلي









رتب رمضانك محاضرة للشيخ : الدكتور علي الشبيلي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام
والمستشار التربوي والأسري
والمشرف العام لمؤسسة أُلفة

أكمل قراءة بقية الموضوع »
الأحد، 20 نوفمبر 2011

الذوق في أساسيات التعامل مع الزوجة


- الشيخ عبد الله بن سليمان المهنا


أكمل قراءة بقية الموضوع »
الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

مراقبة الله / محاضرة قيمة ومؤثرة للشيخ خالد السبت



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته .
أيها الأحبة : حديثنا في هذه الليلة عن موضوع يحتاج إليه الكبير والصغير والرجل والمرأة لا سيما في هذا الزمان الذي تكاثرت فيه الفتن وصار الإنسان يستطيع أن يصل إلى المنكر وهو في قعر بيته دون أن يشعر به أحد ، وصار الإنسان أيضاً يستطيع أن يطوف في أنواع الضلالات والشبهات وينظر في العقائد الفاسدة والمواقع أو القنوات التي تبث الشبهات فتضلل الناس وتشكك الإنسان في عقيدته ودينه وهو في بيته بعد أن كان الناس لربما لا يستطيع الواحد منهم أن يصل إلى مطلوبه من ذلك إلا بألوان الاحتيال والصعوبات ، ولربما تعجزه وتقعده الحيلة فلا يستطيع أن يحقق مطلوباً للنفس تشتهيه أو تهواه ، واليوم أيها الأحبة لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم يجلس الرجل أو المرأة وهو في بيته يمكن أن يفعل ما يشاء ، وأن ينظر إلى كل ما يريد ، يمكن لهذا الإنسان أن يعاكس كل ما لا يرضاه الله تبارك وتعالى دون أن يشعر بذلك أحد من الناس ، أصبحنا أيها الأحبة نتقلب في فتن تجعل الحليم حيراناً ، وأصبح كثير ممن جاوزوا سن ما يسمى بالمراهقة عادوا بعد ذلك إلى حال كان يجب أن ينزهوا أنفسهم عنها بعد اكتمال العقل والنضج وصار له من العيال ما يكون حاجزاً من أن ينظر إلى ما لا يليق أو أن يفعل ما لا يليق خوف العواقب السيئة التي لربما نزلت بأهل بيته ، وكثرت الشكاية أيها الأحبة من الزوجات على الأزواج ، انتكس كثير ممن كان يرتاد المساجد ويظهر عليه سيما الصالحين انتكس على عقبه والسبب أنه عرض نفسه للفتنة أولاً فلم ينجو منها آخراً ، ولذلك في مثل هذه الأوقات أيها الأحبة لا بد من الحديث عن مراقبة الله عز وجل وأن نكرر هذا الحديث يعظ به الإنسان نفسه حينما يتحدث ويعظ به إخوانه ويتردد ذلك في مجالسنا حيناً بعد حين فإن هذه القلوب يحصل لها ما يحصل من أنواع الغفلة والنفس شرود وقد ركبت في النفوس محبة الشهوات كما أن الفتن خطافة وقد يحمل الإنسان حب الاستطلاع على أن يرد موارد الهلكة فتعلق الشبه في قلبه ثم لا يستطيع بعد ذلك الخلاص منها وأعرف من هذا أمثلة كثيرة فنسأل الله عز وجل أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يحفظنا وإياكم وجميع المسلمين من كل بلاء ومكروه .

أقول أيها الأحبة ، الحديث عن المراقبة يتضمن قضايا متعددة :
أولها : في بيان حقيقة المراقبة .
والثاني : في منزلتها.
والثالث : في ذكر بعض ما ورد في هذا الباب في الكتاب والسنة .
والرابع : في أنواعها.
والخامس : في الطريق إليها.
والسادس : في ثمراتها.
والسابع : نماذج من أحوال أهل المراقبة .
أما حقيقتها أيها الأحبة ؛ فهي من رقب ، وهذه المادة تدل على انتصاب لمراعاة شيء ، ومن ذلك الرقيب وهو الحافظ ، ويقال المرقب للمكان العالي الذي يقف عليه الناظر فينظر من خلاله إلى ما يريد وقيل للرقبة التي في الإنسان رقبة لأنها منتصبة ، ومن يريد أن ينظر أو يشاهد لا بد أن ينتصب عند نظره فيرفع رأسه وينظر إلى مطلوبه ، والمرأة الرقوب هي التي لا يعيش لها ولد فكأنها ترقبه لعله يبقى وفي أسماء الله عز وجل الرقيب وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء كما سيأتي .
وأما حقيقة المراقبة في معناها الاصطلاحي فمما ذكر في ذلك ما ذكره الحافظ ابن القيم رحمه الله بأنها : "دوام علم العبد وتيقنهُ باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه" ، فاستدامتنا لهذا العلم هو المراقبة ، إذا تيقن الإنسان أن الله ينظر إليه وأنه لا يخفى عليه شيء من أحواله هذا هو حال المراقبة، فهي التعبد لله عز وجل باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير الخبير الشهيد وما إلى ذلك من الأسماء.
يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله في نونيته : "وهو الرقيب على الخواطر واللواحظ كيف بالأفعال والأركان يعلم خطرات النفوس ولحظ العيون كيف بالحركات والأفعال الظاهرة ".
وفي حديث جبريل عليه السلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) .
ومقام المراقبة أيها الأحبة جامع للمعرفة مع الخشية فبحسبها يحصل مقام المراقبة إذا علم العبد أن الله تعالى يطلع عليه وخافه فإن هذا الخوف مع علمه باطلاع الرب يقال له الخشية فإذا اجتمع هذا وهذا كان ذلك تحصيناً لهذا المقام وارتقاء إلى هذه المرتبة وبذلك ينكف العبد عن فعل ما لا يليق .

ثانياً : في الكلام على منزلتها
المراقبة أيها الأحبة ؛ أساس الأعمال القلبية كلها ، وهي عمودها الذي قيامها به ، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم أعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة في الحديث السابق في الإحسان : (أن تعبد الله كأنك تراه) فهذا جامع لمقام الإسلام والإيمان والإحسان ، (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ومن أهل العلم من يقول : إنها مرتبة واحدة ، أن تستشعر هذا المعنى أن تعبد الله كأنك تراه وعليك أن تعلم أنك إن لم تكن تراه فإن الله يراك فهي مرتبة واحدة .
ومن أهل العلم من يقول هما مرتبتان : الأولى : أن تعبده كأنك تراه ، وهي الأعلى ، فإذا لم يستطع العبد أن يحصل ذلك فإنه ينحط إلى المرتبة التي بعدها من مرتبتي الإحسان وهو أن يستشعر أن الله يراه ، وهذا هو اختيار الحافظ ابن القيم رحمه الله ، فيعلم أن الله عز وجل مشاهد له مطلع عليه في ظاهره وباطنه وإذا تحقق العبد من هذا لم يكن التفاته إلى المخلوقين فيتزين لهم ويتصنع ويكون محافظاً على حدود الله عز وجل في الجلوة ويكون منتهكاً لحرماته في الخلوة فإن هذا لم يراقبه ، وكثيراً أيها الأحبة لا يكاد يخلو يوم من سؤال يكتبه صاحبه برسالة يبعث بها يسأل عن عمل يستحي أن يسأل عنه مباشرة وهذا من العجب يستحي أن يسأل مخلوقاً ضعيفاً لا يعرفه ومع ذلك يفعل ذلك والله تبارك وتعالى يراه ويطلع عليه والملك يشاهده ويكتب عمله ، وقد قال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري رحمه الله : إذا جلست للناس فكن واعظاً لقلبك ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك .

ثالثاً : مما ورد من النصوص في هذا الباب
الآيات والأحاديث في هذا كثيرة . فالله جل جلاله يقول : { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } {وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم } { وكان الله على كل شيء رقيبا } {ألم يعلم بأن الله يرى } .
وجاء في حديث معاذ رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( يا رسول الله ؛ أوصني. قال: ( اعبد الله كأنك تراه ) .
وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ) وإذا نظرت إلى هؤلاء السبعة تجد أن الشيء المشترك والوصف الذي تحقق فيهم جميعاً هو المراقبة لله تبارك وتعالى .
الرجل الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ما الذي جعله يكون بهذه المثابة ؟ هو مراقبة الله ، الناس لا يرونه ، الرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، حصلت له المنعة مع وجود الدافع القوي فهي ذات منصب وذات جمال ونفسه تطلب هذه الشهوات ومع ذلك قال إني أخاف الله ، والرجل الذي تصدق بيمينه حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ؛ هذا رجل قد راقب الله عز وجل وإلا فإن المال أيها الأحبة شيء محبب إلى النفوس ولا يسهل عليها أن تجود به إلا بطلب عوض أعظم واليقين عند عامة الناس عند كثير من الناس ضعيف ، ولذلك فإن الكثيرين قد يصعب عليهم إخراج المال لله تبارك وتعالى ، فكيف بهذا الذي أخفاه إلى هذا الحد حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه . الشاب الذي نشأ في طاعة الله عز وجل مع قوة النوازع وتوقد الغرائز الذي منعه من ذلك هو مراقبة الله تبارك وتعالى ، وهكذا أيها الأحبة .
وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم ؛ كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ) فهل استحضرنا هذا المعنى ، هل استحضره من يضيع صلاة الصبح ينام عنها ويضيع صلاة العصر حينما يأتي من عمله ثم بعد ذلك ينام .

رابعاً : في ذكر أنواع المراقبة .
يمكن أن تتنوع المراقبة أيها الأحبة إلى أنواع مختلفة باعتبارات متعددة ، ولكن يمكن أن أقتصر على وجه من تنويعها ، فأقول أيها الأحبة : المراقبة تكون قبل العمل ، قبل أن تقدم على العمل ينبغي أن تسأل نفسك ؛ هل لك فيه نية ؟ ما ذا تريد بهذا العمل الذي تقوم به ؟ حينما تريد أن تتصدق بصدقة هل هذه الصدقة تريد بها وجه الله أو أنك تجمع خسارة في الدنيا وعذاباً في الآخرة ؟ إذا كان الإنسان ينفق من أجل أن يقال منفق ، فيكون من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ، هذا الإنسان الذي يريد أن يطلب العلم هل يريد أن يطلب هذا العلم من أجل أن يقال عالم ، حينما يقوم الإنسان بمشروع من الأعمال الطيبة من إغاثة المنكوبين أو القيام على الفقراء والأرامل والأيتام ، هذه أعمال جليلة ، وتتطلب من الإنسان ألوان التضحيات ، فينفق فيها وقته وجهده ، ولربما لا يراه أهله إلا في قليل من الوقت ، هل لك فيه نية ، يسأل الإنسان حينما يريد أن يقدم على هذه الأعمال هل هو لله ؟ هل للنفس فيه هوى ؟ هل للشيطان فيه نزغة فيتثبت ؟ فإن كان لله أمضاه ، وإن كان لغيره صحح نيته وأخلص قصده وعمله ، وفي هذا يقول الحسن البصري رحمه الله : كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت ، فإن كان لله أمضاه ، ويقول : رحم الله عبداً وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر .
وجاء عن محمد بن علي رحمه الله : إن المؤمن وقاف ومتأنٍ يقف عند همه ليس كحاطب ليل . فلا يتسارع الإنسان في الأعمال في هذه الحياة الدنيا ولو كان ظاهر ذلك من الأعمال الصالحة حتى ينظر قبل أن يقدم عليه هل له فيه نية صحيحة أولا .
تعرفون حديث الثلاثة الذين تسعر فيهم النار يوم القيامة أول الناس : هذا رجل عالم ، وهذا رجل جواد ، وهذا رجل قارئ للقرآن أو مجاهد في سبيل الله ، فهذا جاهد ليقال شجاع ، وهذا قرأ ليقال قارئ ، أو تعلم العلم ليقال عالم ، وهذا أنفق من أجل أن يقال جواد ، فيدخل النار قبل السراق ، والزناة ، وأصحاب الجرائم ، فالمسألة ليست بالشيء السهل ، قد يتصور كثير من الناس أن الذين يُتوعدون بالعقوبة أنهم على خطر وخوف هم أولئك الذين يقارفون ما يقارفون من ألوان الشهوات الظاهرة ؛ وما علم أن الشهوات الباطنة قد تكون أعظم وأشد من الشهوات الظاهرة ، الإنسان أليس ينفق المال من أجل تحصيل المحامد ، أليس الرجل قد يقدم في نحر العدو في شجاعة متناهية من أجل أن يقال شجاع ، فيبذل نفسه من أجل قيلهم هذا ، هذه أغلى ما يملكه الإنسان ، النفس والمال .
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يفقر والإقدام قتال
فيبذل الإنسان هذه الأمور التي هي أغلى ما يملك من أجل تحصيل شيء من حظوظ النفس الخفية ، طلب المحمدة والسمعة ، والرياء ، فليس الهالك هو ذلك الإنسان الذي يتبع ما يمليه عليه هواه من ألوان الشهوات من الفجور والمعاصي ومعاقرة الفواحش وما أشبه ذلك فحسب بل إن الهلكة تقع أيضاً في تلك النية المختلة الفاسدة التي لربما كان صاحبها يفطم نفسه عن ألوان المتع من النزه وأكل الطيبات والراحة والنوم والتمتع بألوان المتاع وهو يعمل ويكدح ويواصل الليل والنهار لكن ليس له في هذا نية ، وقد ينتفع كثير من الناس ولكنه كالشمعة أو السراج الذي يضيء للآخرين ويحرق نفسه .
النظر الثاني هو أثناء العمل : يحتاج الإنسان إلى مراقبة لله عز وجل وهو يعمل ، ونحن نصلي نراقب الله عز وجل في صلاتنا في ركوعنا وسجودنا وما نقوله فينا في صيامنا نراقب الله عز وجل لا نتكلم بكلام ينافي الصوم ولا نفعل فعلاً يخدشه ، ونحن حينما نقوم بعمل من الأعمال الدعوية أو غير الأعمال الدعوية مما يحبه الله عز وجل ويرضاه أثناء العمل نصحح النية ونتابع فإن القلب كثير التقلب ولذلك قيل له الفؤاد والله أعلم لكثرة تفؤده وتوقده بالخواطر والأفكار والإرادات ، يبدأ الإنسان بنية صحيحة ثم تجد قلبه يتقلب عليه ، فيحتاج إلى ملاحظة دائمة أثناء العمل. الذي يتكلم يلاحظ نفسه عند الكلام ، والذي يعمل يلاحظ نفسه عند العمل ، والذي يكون حتى في أعماله المباحة يلاحظ ويراقب نفسه عند القيام بهذا العمل المباح . فالعبد أيها الأحبة إذا كان في طاعة يتفقد عمله هل جاء بأركانه وشروطه وواجباته وما أشبه ذلك ، إذا كان في معصية ينزجر وينكف ويتذكر نظر الله عز وجل إليه ، وإذا كان الإنسان في أمر مباح فإنه يشكر الله عز وجل على هذه النعم التي أولاه إياها ، إذا كان يأكل يتفكر في هذا الطعام الذي يأكله كيف وصل إليه وكيف حرمه كثير من الناس وما يشتمل عليه هذا الطعام من ألوان العبر التي إذا نظر إليها الإنسان أحيت قلبه ، هذا نظر أثناء العمل .
وهكذا أيضاً يتفقد الإنسان أوقاته ، لأن الإنسان في هذه الحياة مبحر مسافر ، كيف يقضيها ، هذا اليوم منذ أن أشرقت شمسه ما هي المغانم والمكاسب التي حصلها فيه ، في أربع وعشرين ساعة كان يمكن أن يقرأ ثمانية وأربعين جزءاً ؛ فماذا قرأ ، في هذه الأوقات كم يمكنه أن يصلي فيها من ركعة لله عز وجل ، كم يمكنه أن يقرأ من صفحة في علم نافع ، كم يمكنه أن يسبح من تسبيحة وأن يستغفر ، فيفكر في هذه الأوقات التي تصرمت ، منذ الليلة الماضية مثل هذا الوقت إلى الآن ما هي مكاسبنا ، ماذا عملنا ، هذه الإجازة قد انتصفت ؛ ما الذي خرجنا به ، ما هي الأعمال التي قمنا بها ، الإنجازات التي حققناها كم تكافئ من أيام هذه الإجازة التي قد تصرمت ، وهكذا أيها الأحبة يتفقد الإنسان دائماً نفسه وينظر في حاله وفي تقصيره وفي عمله حتى يلقى الله عز وجل وهو على يقظة دون أن يكون غافلاً فيخترمه الموت ثم بعد ذلك يندم ولا ينفعه الندم . الأعمال التي يزاولها هل هذا هو الأفضل والعمر قصير أو أن هناك أعمالاً أفضل من هذه يمكن أن يتجر بها ويربح في تجارته مع الله جل جلاله .
وهكذا أيها الأحبة في كل شأن من شؤوننا ، في الكلام ؛ المجالس لربما كان الإنسان واعظاً ، أو داعية ، أو خطيباً ، ويعلم الناس ، ويبين لهم الأشياء التي يحتاجون إليها ، يبين لهم حكم الغيبة ، وإذا جلس في المجالس ينطلق لسانه في أعراض المسلمين ، من غير أن يرعوي ، ينبغي للإنسان أن ينظر في عمله فعلاً ولا يغتر ولا يظن أنه يمكن أن يجتاز الصراط بظاهر من التدين والله عز وجل يعلم حاله وما ينطوي عليه سره وقلبه وخبيئته .
هذه الأشياء الجميع يحتاج أن يراجع فيها نفسه ، ولا يخلو أحد فمقل أو مستكثر ، وقد قال بعضهم : عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قبل أن أقدر منه على ما أريد ، وكان هذا الرجل لا يدع أحداً يغتاب أحداً في مجلسه ، ويقول لجلسائه : إن ذكرتم الله أعناكم وإن ذكرتم الناس تركناكم ، من منا يفعل هذا ، إذا أراد أحداً أن يغتاب الناس قال له سبح ، اذكر الله عز وجل ، ولو كان هذا المغتاب من الصالحين من الخيرين ، فإن حدود الله عز وجل لا يحابى بها أحد ، فينبغي على الجميع أن يلتزم أمر الله تبارك وتعالى ويجتنب نهيه ، وليس صلاح الإنسان في الظاهر ،أو جهوده التي يبذلها في سبيل الله تبارك وتعالى تكون مسوغاً وسبباً لأن يفعل ما يريد.

خامساً : كيف نصل إلى المراقبة .
ما الطريق إليها ؟ أقول : أول ذلك أيها الأحبة وهو من أعظمه أن نستحضر معاني الأسماء الحسنى التي تؤثر في هذا المقام والله تبارك وتعالى علمنا في هذا القرآن جملة طيبة كثيرة من أسمائه جل جلاله ، وإنما ذلك من أجل أن نتعبده بهذه الأسماء .فمن أسمائه التي تتعلق بهذا المعنى : الرقيب ، وكذلك الحفيظ ، والعليم ، والخبير ، والشهيد ، والمحيط ، واللطيف ، إلى غير ذلك من الأسماء التي إذا أدرك العبد معناها وتعبد ربه بمقتضاها فإن ذلك يؤدي به إلى تحصيل مقام المراقبة .
فالرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء ، الحفيظ الذي لا يغفل ، العليم الذي لا يعزب عنه مثقال شيء من أحوال خلقه ، يرى أحوال العباد ويحصي أعمالهم ، ويحيط بمكنونات سرائرهم فهو مطلع على الضمائر ، شاهد على السرائر ، يعلم ويرى ولا يخفى عليه السر والنجوى { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } . { إن الله كان عليكم رقيبا } . { وكان الله على كل شيء رقيبا } .
رقيب على كل الوجود مهيمن على الفلك الدوار نجماً وكوكبا
رقيب على كل النفوس وإن تلذ بصمت ولم تجهر بسر تغيبا
رقيب تعالى مالك الملك مبصر به كل شيء ظاهر أو محجبا
والمراقبة هي ثمرة علمه بأن الله سبحانه وتعالى رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله مطلع على عمله في كل وقت وحين ، وفي كل نفس وفي كل طرفة عين ، فإذا أرادت عينه أن تمتد إلى النظر إلى ما حرم الله عز وجل لامرأة يشاهدها ويراها في الطريق أو في الأسواق أو كان ذلك في شاشة فإنه يدرك ويعلم أن نظر الله إليه أسبق من نظره إليها فيخاف وينزجر وينكف ، عن هذا النظر ، وكان الإمام أحمد رحمه الله كثيراً ما يردد :
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *** خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا أن الله يغفل ساعة *** ولا أن ما تخفي عليه يغيب
لهونا عن الأيام حتى تتابعت *** ذنوب على آثارهن ذنوب
فياليت أن الله يغفر ما مضى *** ويأذن في توباتنا فنتوب
قال رجل لوهيب بن الورد رحمه الله : عظني ؟ قال :
اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك .
وهذا للأسف قد نقع فيه ، وإذا تتابعت الغفلة على قلب الإنسان فإنه قد يستحي من مخلوق ضعيف ولربما كان صبياً صغيراً أن يفعل ما لا يليق بحضرته ولكنه يفعل العظائم والله تبارك وتعالى يراه ويطلع عليه وينظر إليه .
ومن أسمائه تبارك وتعالى : الشهيد ، وهو مشتق من الشهود بمعنى الحضور ، وذلك يستلزم العلم . فالله مطلع على كل الأشياء يسمع جميع الأصوات ، خفيها وجليها ، ويبصر جميع المبصرات دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها ، وأحاط علمه بكل شيء ، فهو شهيد أيضاً ، يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم وشاهد من أفعالهم { والله شهيد على ما تعملون } { إن الله كان على كل شيء شهيدا } { وكفى بالله شهيدا } .
والفرق بين الرقيب والشهيد : أن الرقيب فيه زيادة حفظ ، فالشهيد مطلع شاهد ينظر إليه ، وأما الرقيب فهو مطلع عليه يحفظ عمله الذي يزاوله ويعمله ، فالله تبارك وتعالى رقيب شهيد ، وهو كذلك أيضاً حفيظ
والحفيظ له معنيان :
الأول : أنه حفظ أعمال العباد فلم يذهب شيء منها ، كل ما يقوله الإنسان وكل ما يعمله محفوظ ، سواء كان ذلك من قبيل الخير أو الشر ، وهذا المعنى من حفظه تبارك وتعالى يقتضي إحاطة علمه بكل المخلوقات ، وأنه كتب ذلك تبارك وتعالى في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة ، وعلم بمقادير هذه الأعمال والأشياء ، فلم يفت عليه شيء من ذلك .
المعنى الثاني من معاني الحفيظ : أنه يحفظ عباده مما يكرهون ، { فالله خير حافظاً } .
يقول ابن القيم رحمه الله في الجمع بين هذين المعنيين :
وهو الحفيظ عليهم وهو الكفيل بحفظهم من كل أمر عاني
حفيظ عليهم : يحفظ أعمالهم ، وهو الكفيل بحفظهم : يحفظهم من المكاره .
جل الحفيظ فلولا لطف قدرته ضاع الوجود وضل النجم والفلك
حتى القطيرةَ من ماء إذا نزلت من السحب لها في حفظها ملك
{ إن ربي على كل شيء حفيظ } فمن علم أن ربه حفيظ ؛ حفظ جوارحه وقلبه من كل ما لا يليق .
والعلم الحديث أيها الأحبة أثبت أنه يمكن استرجاع ما يصدر من الإنسان من الأصوات ، يقولون إن كلام الإنسان يتحول إلى موجات هوائية وأن هذه الموجات تبقى كما هي في الأثير بعد حدوثه ومن الممكن أن تسترجع وأن تسمع مرة أخرى ، يقول لكنا علومنا قاصرة لم تصل إلى هذا بعد ، يقولون لو استطاع العلم أن يكتشف جهازاً يستطيع أن يلتقط هذه الأصوات التي قالها القائلون منذ أن خلق الله عز وجل آدم صلى الله عليه وسلم فإن ذلك من الناحية العلمية ممكن لكن يقولون لم نصل إليه بعد ، ونحن نعلم يقيناً أن الله تبارك وتعالى قد أحاط بذلك كله وأن الله قادر على أن يسمع الناس كلامهم ، وهو قادر تبارك وتعالى على أن يعيد لهم الصورة من جديد في العمل الذي يزاولونه ، الله على كل شيء قدير ، ولهذا فإن الله ينطق الجوارح وينطق الأرض ، الأرض تحدث أخبارها ، والجوارح تتكلم بما عمله الإنسان فيها .
ومن أسمائه تبارك وتعالى : المحيط . فالله رقيب ، شهيد ، حفيظ ، محيط ، وهذه الأسماء : الرقيب والشهيد والمحيط والحفيظ تشترك في صفة العلم ، لكن الرقيب يفيد مع العلم الحفظ ، والشهيد يفيد مع العلم الحضور ، والمحيط يفيد مع العلم الشمول والإحاطة والقدرة .
ومن أسمائه تبارك وتعالى أيضاً : العليم { وهو معكم أين ما كنتم } { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه }
والرب فوق العرش والكرسي *** لا يخفى عليه خواطر الإنسان
فمن علم أن الله تبارك وتعالى عالم بكل شيء ، حتى بخطرات الضمائر ووساوس الخاطر فعليه أن يراقبه وأن يستحي منه وأن يكف عما لا يليق ولا يغتر بجميل ستره تبارك وتعالى وإنما يخشى بغتات قهره ومفاجآت مكره ، قال الله تعالى : { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور } { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .
كل معلوم ففي علمك كان *** أنت محصيه زماناً ومكاناً
أنت سبحانك أدرى بالذي *** فيه ذرات نقاط وكياناً
أنت محصيها وهاديها إلى *** نشوة تسبيح قلباً ولساناً
إحاطة بجميع الغيب عن قدر *** أحصى بها كل موجود ومفتقد
وكلهم باضطرار الفقر معترف إلى فضائله في كل معتمد
العالم الشيءَ في تصريف حالته *** ما عاد منه وما يمض فلم يعد
ويعلم السر من نجوى القلوب وما *** يخفى عليه خفي جال في خلد
يقول سفيان الثوري رحمه الله : عليك بالمراقبة مما لا تخفى عليه خافية ، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء .
ومن أسمائه تبارك وتعالى : الخبير .وهو الذي يعلم بواطن وخفايا الأشياء ، والارتباط بين العليم والخبير والشهيد لا يخفى ؛ فإذا اعتبرنا العلم مطلقاً فهو العليم ، وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنة فهو الخبير ، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد .
ومن أسمائه تبارك وتعالى : السميع والبصير .يسمع الأصوات ويرى المبصرات ، يسمع السر والنجوى ، ويبصر ما تحت الثرى .
ومن أسمائه : المهيمن وهو الرقيب الحافظ لكل شيء ، الخاضع لسلطانه كل شيء ، فهو القائم على خلقه ، الشهيد عليهم ، { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء }.
ما شاء كان وما في الكون خافية *** تخفى على علمه بدأً ومنقلباً
إنا إليه أنبنا خاشعين له *** وجاعلين له من ذكره سبباً
فلا شيء في ملكه طوع إرادته *** بمستطيع خروجاً أينما ذهباً
جل الميهمن رباً لا شريك له *** وجل إن لم يهب شيئاً وإن وهباً
ومن أسمائه تبارك وتعالى : القريب { إن ربي قريب مجيب } وقربه سبحانه وتعالى نوعان : قرب عام ، وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء ، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد .والقرب الآخر قرب خاص بالداعين والعابدين { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } . يقول عامر بن عبد القيس رحمه الله : ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله تعالى أقرب إليه مني .
وسئل بعضهم عن المراقبة ، فقال : أولها علم القلب بقرب الله تعالى من العبد .
هذا السبب الأول الموصل إلى مقام المراقبة ؛ أن نعرف معاني هذه الأسماء ، وأن نتعبد الله تبارك وتعالى بمقتضاها .
السبب الثاني الذي يوصل إليها : هو أن نحقق مرتبة الإحسان .
أن نعبد الله عز وجل كأننا نراه ، وإنما ينشأ ذلك من كمال الإيمان بالله وأسمائه وصفاته حتى يصير العبدُ بمنزلة كأنه يرى ربه تبارك وتعالى فوق سماواته مستوياً على عرشه ، يتكلم بأمره ونهيه ويدبر أمر الخليقة ، فينزل الأمر من عنده ويصعد إليه وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه كما يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله .

الثالث من هذه الأسباب : هو كثرة ذكر الله عز وجل بالقلب واللسان .
وقد ذكر الحافظ ابن القيم في الوابل الصيب للذكر أكثر من مائة فائدة ، وذكر العاشرة منها وهو أنه يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان فيعبد الله كأنه يراه ، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى سبيل الإحسان ، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت الحرام ، وأفضل الذكر كما هو معلوم ما تواطأ عليه القلب واللسان ، ولو أردنا أن نوازن بين ذكر القلب وذكر اللسان ، فلا شك أن ذكر القلب أفضل من ذكر اللسان بمجرده ، لأن الإنسان قد يلهج بلسانه وقلبه في غاية الغفلة ، فذكر القلب يثمر المعرفة ، ويُهيج المحبة ، ويثير الحياء ، ويبعث على المخافة ، ويدعو إلى المراقبة .
الأمر الرابع من الأمور التي توصل إلى مقام المراقبة : أن يحاسب الإنسان نفسه دائماً . أن يلاحظ الأنفاس والخطرات ، فلا يكون العبد من الغافلين .
جاء عن بلال بن سعد رحمه الله أنه قال : لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت .
قال ابن المبارك لرجل : راقب الله تعالى ، فسأله الرجل عن تفسير ذلك فقال : كن أبداً كأنك ترى الله .
وقال بعضهم : إنما هي أرباح عيناك ولسانك وهواك وقلبك ، فانظر عينيك لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك ، وانظر لسانك ، لا تقل به شيئاً يعلم الله خلافه من قلبك ، وانظر قلبك لا يكن فيه غل ولا دغل على أحد من المسلمين ، وانظر هواك لا تهوى شيئاً يكرهه الله عز وجل ، فما لا تكن فيك هذه الأربع فالرماد على رأسك .
وقال آخر : تعاهد نفسك في ثلاث مواضع ، إذا عملت فاذكر نظر الله عليك ، وإذا تكلمت فانظر سمع الله منك ، وإذا سكت فانظر علم الله فيك .
وفؤادي كلما عاتبته *** في مدى الإجرام يبغي تعبي
لا أراه الدهر إلا لاهياً *** في تماديه فقد برح بي
يا قرين السوء ما هذا الصبا *** فني العمر كذا في اللعب
نفسي ما كنت ولا كان الهوى *** راقب الله وخافي وارهبي
كان لبعض الأمراء وزير وكان هذا الوزير جالساً بين يديه وعند هذا الأمير بعض الغلمان وقوف بجانبه في ناحية من المجلس فلاحت من هذا الوزير نظرة إلى هؤلاء الغلمان لشيء عرض ، ثم التفت إلى الأمير وإذا الأمير ينظر إليه ، فخشي أن يظن الأمير أن الوزير ينظر إلى هؤلاء الغلمان الحسان لريبة ، فما الذي حصل من هذا الوزير أيها الأحبة ، جعل كلما حضر إلى مجلس هذا الأمير ينظر إلى تلك الناحية ، ليوهم هذا الأمير ، أنه إنما ينظر إليها لحول أو علة في خلقته ، هذه في مراقبة مخلوق لمخلوق ، أراد أن يمحو الصورة التي لربما وقعت في نظر أو في نفس هذا الأمير اتجاه هذا الوزير ليقول له لم أكن في ذلك اليوم أو في ذلك العام أنظر إليهم لريبة وإنما أنا هكذا أنظر إلى هذه الناحية خلقة ، نظر مخلوق إلى مخلوق ، فأين النظر إلى الله ، أين مراقبة المعبود جل جلاله .
كأن رقيباً منك يرعى خواطري *** وآخر يرعى مهجتي ولسانيا
وقد كان لأحد الشيوخ تلامذة وكان يقدم ويفضل أحدهم وهم لا يدرون ما سبب ذلك ، فتساءلوا عن سبب إيثاره وتفضيله لهذا التلميذ ، فخرج معهم يوماً ، ثم أعطى كل واحد منهم طائراً ، وقال : ليعمد كل واحد منك بهذا الطائر إلى حيث لا يراه أحد ، ثم يذبح هذا الطائر ويأتي ، فذهبوا جميعاً وكل واحد ذهب إلى ناحية وذبح الطائر الذي معه وجاء ، فجاء هذا التلميذ الذي كان يؤثره هذا الشيخ ومعه هذا الطائر لم يذبح ، فقال له : لِمَ لمْ تذبحه ؟ فقال : قلت : حيث لا يراك أحد ، فلم أجد مكاناً لا يراني الله عز وجل فيه ، فقال لهم : لأجل هذا كنت أؤثره عليكم .
وكان لبعض الملوك مملوك وعبد يؤثره على غيره من خدمه ومماليكه ، فكأن نفوسهم قد تحركت نحوه ، وتساءلوا عن سبب هذا التفضيل ، فبينما هو في سفر ومعه هؤلاء المماليك والخدم إذ لاحت من هذا الملك نظرة إلى جبل في قمته ثلج ، فركب ذلك المملوك على فرسه وركضه حتى انطلق دون أن يشعر به أحد إلى ذلك الجبل وأحضر من ذلك الثلج وجاء به إلى هذا الملك ووضعه بين يده ، فسأهله هذا الملك: كيف عرفت أني أرغب هذا الثلج ؟ فقال : رأيتك نظرت إليه ، فهو يلاحظ نظرات هذا الملك ، فقال الملك : لجلسائه وخدمه ومماليكه : من أجل هذا كنت أؤثره ، إنكم تلاحظون مطلوبات نفوسكم وهو يلاحظ نظراتي وخطراتي .
مخلوق ينظر إلى مخلوق آخر ينظر إليه ، إذا حرك عينه اتجاه شيء قفز ، وجاء به إليه ، فأين نحن أيها الأحبة في معاملتنا مع الله تبارك تعالى ، نعصي ، ونقصر ، وأحياناً ننقر الصلاة نقراً ، ويصلي الإنسان بتثاقل ، أين المحبة ؟ وأين المراقبة ؟ وأين التعبد لله عز وجل بمقتضى هذه الأسماء التي ذكرناها ؟
يقول سفيان الثوري رحمه الله : لو كان معكم من يرفع حديثكم إلى السلطان ، أكنتم تتكلمون بشيء ؟ قالوا : لا ، قال : فإن معكم من يرفع الحديث . وجاء عن آخر : قال : لو أن صاحب قدر جلس إليك ، لكنت تتحرز منه ، وكلامك يعرض على الله فلا تتحرز .
فالنفس أيها الأحبة تحتاج إلى محاسبة ، وملاحظة ، أن نحاسبها أعظم من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه ، فإذا أصبح الإنسان قال لنفسه : يا نفس ؛ هذا يوم جديد قد أمهلك الله عز وجل ، فلو أن نفس الإنسان خرجت ، لتمنى ساعة أو لحظة ، يسبح فيها تسبيحة ، هذا يوم جديد ، وإمهال جديد ، فينبغي أن يُشْغَلَ بما يرضي الله تبارك وتعالى ، لا أن يستزيد الإنسان من الغفلة ، والإعراض ، والتمادي في مساخط الله عز وجل حتى يفاجئه الموت .

سادساً : ما هي الثمرات والنتائج الطيبة التي تحصل لمن ربى نفسه على المراقبة واتصف بهذه الصفة ، وبلغ هذه المراتب العظيمة .
أقول أول ذلك التأدب مع الله عز وجل ، فهو يدرك أن الله يسمعه وأن الله يبصره ، صفة الإنسان إذا جلس أمام الناس أيها الأحبة لربما راقبهم في كل حركة وفي كل سكناتهم ، لو كان الإنسان يتصرف بتصرفات أيها الأحبة لا تليق ، ثم اكتشف أن في هذا المكان كمرة ، ما الذي يحصل ؟ ولو كان هذا الإنسان يفعل بعض الأمور المباحة ، لكنه لا يفعلها أمام الناس ، ما الذي يحصل ؟ لو كان هذا الإنسان يتكلم بكلام محرم لا يليق ، مع امرأة لا تحل له ، بفحش ، ثم اكتشف أن هذا الكلام جميعاً يسجل ويسمع ، ما الذي يحصل له ؟ لو كان هذا الإنسان يجلس في غرفة ، ويوجد فيها ما ينقل الصوت إلى مكان آخر وفي المكان الآخر أهله وقراباته ونحو ذلك وهو يتكلم مع زوجته ، بكلام مباح ، لا يقوله أمام الناس ، كيف تكون حاله ؟ فكيف بمن يتكلم بما لا يليق مما حرمه الله عز وجل والله يسمعه فلا يتأدب مع الله جل جلاله ؟ الأدب مع الله عز وجل بأن نصون المعاملة معه فلا نشوبها بنقيصة ، إذا صلى الإنسان يصلي صلاة لائقة ، أن يصون قلبه فلا يكون فيه التفات ولا تعلق بغير الله عز وجل ، أولئك الذين يتعلقون بنظر المخلوقين وبثناء المخلوقين وإبراء المخلوقين ؛ ماذا قالوا عن الحقل الفلاني وماذا قالوا عن المناسبة الفلانية وماذا قالوا عن الكلمة الفلانية وماذا قالوا ، قلبه يعذب ويتشتت ، وهكذا أيها الأحبة ، أولئك الذي يتعلقون بالصور وأصحاب الصور ، امرأة تتعلق بفتاة أو شاب يتعلق بمثله أو يتعلق بامرأة أو نحو ذلك ، ولربما قال أحدهم لصاحبه كما ذكر بعضهم يسأل عن هذا : أتمنى لو أني أحب الرسول صلى الله عليه وسلم كما أحبك ، إلى هذا الحد ، فهذه محبة مرضية قد يظن صاحبها أنها محبة لله وفي الله ، هكذا أيضاً أن يلاحظ الإنسان إرادته فلا تتعلق إرادته بشيء لا يريده الله ولا يحبه ولا يرضاه منه فإذا وُجِدَت المراقبة أيها الأحبة فإن العبد تصلح أحواله في ظاهره وباطنه ، وقد قيل : أسرع الأشياء عظة للقلب وانكساراً له ذكر اطلاع الله بالتعظيم له ، والمقصود أيها الأحبة أن المراقبة توجب صيانة الظاهر والباطن ، فصيانة الظاهر بحفظ الحركات الظاهرة ، وصيانة الباطن تكون بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة ، ومن الحركات الباطنة أيها الأحبة ضبط معرضة أمره وخبره ، فيجرد الإنسان باطنه من كل شهوة وإرادة تعارض أمره ، هذه مراتب عالية ، أحياناً الإنسان في داخل نفسه قد يكره حكم الله عز وجل وتنفر نفسه منه وقد يتمنى في نفسه لو أن الله أباح له ذلك الأمر المحرم ، أو أن الله يسر له ذلك ولربما كان في قلبه اعتراض على أقدار الله عز وجل ، لماذا أنا فقير ؟ لماذا أعمل دائماً وأكدح ولا أخرج بكبير طائل وفلان وفلان بعمل يسير يصلون إلى الأموال الطائلة والتجارات الكبيرة ؟ هذا اعتراض على قدر الله عز وجل ، فالله أعطى ، أغنى وأقنى عن علم وبصر بالعباد لا يخفى عليه من شأنهم خافية ، وقد يصاب الإنسان ببلية بمكروه بمرض ، فيعترض على الله تبارك وتعالى في نفسه ، فيقول : أنا دائماً مبتلى ، لماذا يحصل لي هذا الحادث الشنيع ؟ وبهذه الطريقة ؟ وتحصل لي هذه الكارثة ، يحصل لي هذا البلاء وأناس فجرة لا يرعوون من معصية الله عز وجل يتقلبون بألوان العافية ونحن نتقلب في ألوان البلاء ؟ هذا ما عرف الله عز وجل ، ما عرف الله ، لو عرف الله لعرف أن أهل البلاء هم أهل القرب من الله تبارك وتعالى ، وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، وقد يعترض الإنسان على الله تبارك وتعالى فيما شرعه فيقول له اختيار مع الله وتقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيعارض النصوص برأيه وبعقله وهواه ، ويرد الآيات والأحاديث بهذا العقل الفاسد ، ولربما حمل النصوص على المحامل الصعبة والتأويلات البعيدة من أجل أن يوافق هواه أو من أجل أن يوافق هوى الآخرين .
فالإنسان إذا راقب الله عز وجل تأدب معه الأدب اللائق فاستقام ظاهره واستقام باطنه ولم توجد في قلبه محبة تزاحم محبةَ الله عز وجل ولا في قلبه شبهة تعارض خبره ، وقد قيل : من راقب الله في خواطره عصمه الله في حركات جوارحه .ولما سئل بعضهم : بما يستعين الرجل على غض بصره عن المحظورات ؟ قال : بعلمه أن رؤية الله تعالى سابقة على نظره إلى ذلك المحظور.
كتب أحد الأشخاص رسالة طويلة يقول فيها : بأنه من المربين ، وأنه قد ألقى درساً متكاملاً عن غض البصر ، وذكر لي في هذه الرسالة جملة كثيرة من الكتب التي تحدثت عن غض البصر ، المراجع ، وقال : أعرف ذلك جميعاً ، ومع ذلك أنظر يقول : باستمرار إلى الحرام ولا أستطيع أن أسيطر على نفسي ، هذا الإنسان لو وصل إلى مقام المراقبة فعلاً لتغيرت الحال، لكن المشكلة التي نحتاج أولاً أن نعرفها أيها الأحبة؛ أننا نعرف كثيراً من المعلومات نسمع وقد نتكلم ولكن دون أن يكون ذلك متغلغلاً في قلوبنا وأعماقنا ، وكأننا نتحدث أيها الأحبة أو نسمع أشياء ونحن لا نقتنع بها ، ولذلك الناس كم يسمعون من خطبة في العام ، ما يقرب من خمسين خطبة ، أين أثر هذه الخطب عليهم ، يسمعون عن أكل الحرام ، يسمعون عن آفات اللسان ، يسمعون عن النظر إلى الحرام ، يسمعون عن كل هذه القضايا فينظر الإنسان في حاله وفي نفسه ، الخطيب والمستمع حينما يخرج من المسجد هل خرج بحال جديدة ؟ هل تغيرت حاله ؟ هل خرج بعمل جديد ؟ فنحن لا نعرف في كثير من الأحيان حقيقة ما يخالج نفوسنا من العلل ، نحن نستطيع أن نوصف علل الآخرين ، ولربما لو قلت لهذا الإنسان ونصحته وذكرته بالله بأنه يعاني من كذا وكذا وكذا لربما انقبض منك ونفر ويرى أنك قد جرحته وآذيته ، هل هذا الإنسان عنده إرادة صادقة فعلاً بإصلاح النفس .
مراقبة الله تعالى في الخواطر أيها الأحبة سبب لحفظها في حركات الظواهر ، فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته ، إذا تحققت المراقبة في الناس أيها الأحبة فإن ذلك يكون زاجراً ورادعاً يحمل النفوس على ما يجمل ويحسن ويليق ، وذلك لا يمكن أن يقارن بحال من الأحوال بحال المخلوقين حينما يلاحظون الرقيب من الخلق ، الناس الذين يحترمون النظام ، الناس الذي يتركون الجريمة خوفاً من العقوبة ولكنهم إذا تمكنوا تحولت حالهم إلى شيء آخر ، هؤلاء أين هم ممن يراقب الله عز وجل وهو يعلم أنه إذا أخذ هذا الطمع اليوم سيدفع الثمن غالياً من حسناته ، ولذلك فإنك تجد هذا الإنسان لو كان بيديه كنوز الدنيا ما مد يده عليها ، وآخر كلما لاح إليه شيء واستطاع أن يأخذه أخذه ولو من المسجد ، لماذا أيها الأحبة ؟ هذا راقب الله ؛ وهذا لم يراقبه ، هذا يعلم أنه سيحاسب وأن الله يرى ذلك وأن هذه المكاسب المحرمة أحياناً بالملايين ، وقد يعرض على هذا الإنسان إغراءات لرشى لربما تصل إلى الملايين وهو لربما لا يجاوز راتبه عشرة آلاف ، ملايين في صفقة واحدة ، برشوة ، ومع ذلك يترك هذا لله عز وجل ، لكن إذا كان لا يعرف ربه والحلال ما حل باليد ، مثل هذا الإنسان سيقول هذه فرصة لا تعوض ، ويتهم من ترك ذلك لله تبارك وتعالى بالغفلة والضعف والعجز وقلة العقل والقصور في النظر ، حينما انطفأ الكهرباء في ليلة واحدة في نيويورك ماذا حصل ؟ قبل سنين وكتبت عن ذلك الصحف ، ألوان الجرائم من السرقات والاغتصاب ، أشياء هائلة ، أرقام فلكية ، فقط ليلة واحدة ساعات انطفأ فيها الكهرباء تهافت الناس على المتاجر وعلى البيوت ينهبون ويسرقون ، لأنهم علموا أن النظام لا يراقبهم ، ولا يطلع على أفعالهم هذه ، فحارس القانون أيها الأحبة قد يغيب وقوة الخلق قد تزول أو تضعف والحارس قد يغفل والقانون قد يؤول وقد يتحايل الناس عليه فيفعلون ما يريدون ، لكن إذا ربينا الناس على مراقبة الله عز وجل فإنهم يكونون في مأمن بإذن الله تبارك وتعالى ، مهما لاحت لهم الإغراءات والمطامع ، أولادنا أيها الأحبة ؛ بل نحن قبلهم ، أمام هذه الشهوات العارمة والفتن العظيمة إذا غاب الإنسان ، هذا الولد إذا ربي على مراقبة الله عز وجل حينما يجلس منفرداً وأمامه الجهاز الذي لربما يعرض أكثر من ثلاثمائة قناة ، وفي بعض تلك القنوات قد يشاهد كل شيء ، إذا ربي على المراقبة فإنه يكون في مأمن ، لا ينظر إلى شيء لا يحبه الله عز وجل ولا يرضاه ، لكن إذا كان هذا الولد إنما يترك هذه الأشياء خوفاً من نظر أبيه فإذا خلا بمحارم الله عز وجل فلا تسأل ، يفري فرياً .
ولذلك أقول أيها الأحبة ، الأب قد يموت ، قد يغيب ، قد يعجز ، قد يضعف ، قد يشيب ، ثم بعد ذلك قد يسرح هؤلاء الأولاد في أودية الهلكة ويرتعون من هذه الشهوات ، في هذه الشهوات ، فنحتاج دائماً إلى أن نربي هذه المراقبة في نفوسهم من أجل أن نحافظ على إيمانهم وعلى حالهم مع الله عز وجل أن تكون على استقامة ، ولا يخفى أيضاً أيها الأحبة ما بين الظاهر والباطن من الملازمة ، استقامة الباطن إذا وجد الخوف من الله عز وجل واليقين بأن الله يرانا يستقيم الظاهر، فالظاهر أثر من آثار استقامة الباطن ، كما أن استقامة الظاهر لا شك أنها تؤثر في استقامة الباطن .
وقد جاء عن المعتمن بن سليمان رحمه الله أنه قال : إن الرجل يصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته ، مهما حاول الإنسان أن يتصنع أمام الآخرين ، لا تحاول أن تذكر أعمالك عند الناس ، لا تحاول أن تفهم هؤلاء الناس أنك تتصدق ، أو أنك تقوم على مشاريع خيرية ، لا تحاول أن تفهم هؤلاء الآخرين أن لك مساهمات دعوية أو أنك تكفل الأيتام ، والأرامل ، وما أشيه هذا ، لا تحاول هذا ، الذي تعمل من أجله يعلم بذلك وكفى ، الناس مهما حاولت أن تتزين أمامهم فإن قلوبهم ترفض هذا الإنسان ، إذا لم يكن له خبيئة من صدق وإخلاص مع الله تبارك وتعالى .
وقد قال أبو حازم رحمه الله لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله عز وجل إلا أحسن الله فيما بينه وبين الناس ، ولا يعور - أي يفسد - فيما بينه وبين الله عز وجل إلا عور فيما بينه وبين العباد ، ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها ، إنك إذا صانعت الله مالت الوجوه كلها إليك ، وإذا أفسدت ما بينك وبين الله شنأتك الوجوه كلها .
يقول ابن الجوزي رحمه الله في هذا المعنى : "نظرت في الأدلة على الحق فوجدتها أكثر من الرمل ورأيت من أعجبها أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله عز وجل فيظهره الله تعالى عليه ولو بعد حين وينطق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس ، وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق فيكون جواباً لكل ما أخفى من الذنوب وذلك ليعلم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل ولا ينفع من قدره وقدرته احتجاب ولا استتار ولا يباع لديه عمل" ، يقول : "وكذلك يخفي الإنسان الطاعة فتظهر عليه ويتحدث الناس بها وبأكثر منها حتى أنهم لا يعرفون له ذنباً ولا يذكرونه إلا بالمحاسن ليعلم أن هنالك رباً لا يضيع عمل عامل "، يقول : "وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص وتحبه أو تأباه وتذمه أو تمدحه وفق ما تحقق بينه وبين الله تعالى فإنه يكفيه كل هم ويدفع عنه كل شر وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر إلى الحق إلا انعكس مقصوده وعاد حامده ذاماً "، ولهذا كان يقول في كتاب اللطف في الوعظ : "إذا لم تخلص فلا تتعب لو قطعت سائر المنازل - يعني منازل الحج - لم تكن حاجاً إلا ببلوغ الموقف - يعني عرفة ".
فأقول أيها الأحبة : كثير من الناس يحاول أن يظهر أمام المجتمع أمام الآخرين يطلب الشرف والمحمدة وأن يصدق في المجالس ولا يزيده ذلك من الله إلا بعداً وقلوب الخلق ترفضه ، والخلوة لها تأثيرات تظهر في الجلوة ، كم من مؤمن يحترم الله عز وجل في خلواته فيترك ما يشتهي حذراً من عقابه أو رجاءً لثوابه أو إجلالاً له فيكون بذلك الفعل طرح عوداً هندياً على مجمر فيفوح طيبه فيستنشقه الخلائق ولا يدرون أين هو .
أيها الأحبة ، يقول أبو الدرداء رضي الله عنه :
إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر .

الثاني من أثارها وثمراتها : دخول الجنة .
وقد سئل بعضهم : بما ينال العبد الجنة ؟ فقال : بخمس : استقامة ليس فيها روغان ، واجتهاد ليس معه سهو ، ومراقبة لله تعالى في السر والعلانية ، وانتظار الموت بالتأهب له ، ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب .
الثمرة الثالثة : السعادة والانشراح .
هذا الإنسان الذي يراقب ربه تبارك وتعالى يكون قريباً منه ، وإذا كان العبد قريباً من ربه فلا تسأل عن أنسه ولذته وسروره بمناجاة ربه تبارك وتعالى وبمعرفته ، كما يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله : إن في القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله ، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته ، وفيه فاقة لا يذهبها إلا صدق اللجأ إليه ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبداً .
الثمرة الرابعة : السكينة والحياء والمحبة والخشوع والخوف والرجاء والتوكل
كلما اشتدت المراقبة أيها الأحبة المراقبة في قلب العبد أوجبت له من هذه المعاني الشيء الكثير ، وذلك أن المراقبة هي أساس الأعمال القلبية وعمودها الذي قيامها به . سئل بعضهم عن حاله في التوكل كيف حصلت هذه المرتبة ؟ فقال : على خصال أربع : علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي ، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به ، وعلمت أن الموت يأتي بغتة فأنا أبادره ، وعلمت أني لا أخلو من عين الله فأنا أستحي منه .
الخامس من ثمراتها : صحة الفراسة .
وقد قال بعضهم : من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وكف نفسه عن الشهوات وغض بصره عن المحارم واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة .
السادس من ثمراتها : إثار ما أنزل الله وتعظيم ما حرم الله وتصغير ما صغر الله .
السابع : حفظ الأوقات فلا تضيع سدى .
فمن تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه تبارك وتعالى .

سابعاً : السلف والمراقبة .
أذكر بعض النماذج ، هذا عروة ابن الزبير رضي الله عنه خطب ابنة عبد الله بن عمر سودة ، وعبد الله بن عمر يطوف بالكعبة في الحج فلم يرد عليه ، فقال عروة : لو كان يريد لأجابني ، والله لا أعود إليه - يعني في هذا الشأن - يقول : فسبقني إلى المدينة ، فلما أتيتها قدمت المسجد فإذا هو جالس فيه ، فسلمت عليه ، فقال : قد ذكرت سودة ، فقلت : نعم ، فسأله عن رغبته ، هل لا يزال يرغب فيها في الزواج منها ، فقلت : نعم ، فقال : إنك قد ذكرتها لي وأنا أطوف بالبيت أتخايل الله عز وجل بين عيني ، وكنتَ قادراً على أن تلقاني في غير ذلك الموطن ، لاحظ ما رد عليه ، نحن نطوف ماذا نصنع أيها الأحبة ، الجوال والنظر والالتفات ولربما صدر من بعض أيضاً الناس ما لايليق مما حرمه الله عز وجل ويستحي الإنسان من ذكره في هذا المسجد .
ومرَّ ابن عمر رضي الله عنه براع في القصة المعروفة فقال : هل من جزرة ؟ فقال : ليس ها هنا ربها ، فقال ابن عمر : تقول له أكلها الذئب ؟ فرفع رأسه إلى السماء وقال : فأين الله ؟ فقال ابن عمر : أنا والله أحق أن أقول أين الله ، فاشترى الراعي والغنم وأعتقه ووهبه هذه الغنم . هذا عبادة بن الصامت كان جالساً مع أصحابه رضي الله عنه فأقبل الصنابحي ، فقال عبادة : من سره أن ينظر إلى رجل كأنما رقي به فوق سبع سماوات فعلم على ما رأى فلينظر إلى هذا من شدة مراقبته وتأدبه وخوفه وتحرزه .
كان الإمام أحمد رحمه الله يئنُّ في مرض موته ، ذكر له أن طاووس بن كيسان قال : يكتب الملك كل شيء حتى الأنين فلم يئن أحمد رحمه الله حتى مات ، إلى هذا الحد مع أن الأنين ليس بمحرم .
وهذا ابن دقيق العيد أيها الأحبة ، يقول : "ما تكلمت بكلمة ولا فعلت فعلاً ، إلا أعددت له جواباً بين يدي الله عز وجل" ، ما تكلمت بكلمة ولا فعلت فعلاً ؛ نعم كم مضى من أعمارنا ؟ هل نحن كذلك ؟ ولذلك أقول : نحن أيها الأحبة نحتاج إلى توبة ، الداعية يحتاج إلى توبة ، والعالم يحتاج إلى توبة ، وطالب العلم يحتاج إلى توبة ، والإنسان الذي يقول عن نفسه أو يقول عنه الآخرون بأنه ملتزم ومتدين يحتاج إلى توبة ، من منا أيها الأحبة ما قال كلمة ولا فعل فعلاً إلا أعد له جواباً بين يدي الله تبارك وتعالى .
فنسأل الله أيها الأحبة أن ينفعنا بما نسمع وأن لا يجعل ذلك حجة علينا ، كما نسأله تبارك وتعالى أن لا يمقتنا ، نسأله تبارك وتعالى أن يتجاوز عنا وأن يعفو عنا وأن يجعل ما نقول عظة لنا وسبيلاً إلى صلاح قلوبنا وأحوالنا وأعمالنا ، فنحن نستغفر الله عز وجل أيها الأحبة من كثرت ما نتكلم ومن كثرت ما نسمع على قلة العمل ، فينبغي أن يكون لنا طريقة أخرى في حالنا مع الله تبارك وتعالى وفي النظر إلى أعمالنا ، دعك مما يقوله الناس فإنهم ينظرون إلى ظاهرك والله عز وجل ناظر وعالم لباطنك .
هذا ختام ما أردت أن أذكره في هذا المجلس ، وأسأل تبارك وتعالى أن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته .

---------------------------------------------------
قام بتفريغها أحد طلبة العلم يرجو الدعاء له ولوالديه
ملاحظة : لتحميل المحاضرة اضغط هنا



أكمل قراءة بقية الموضوع »
الثلاثاء، 19 يوليو 2011

كيف يكون العبد موفقا للشيخ الشنقيطي



أكمل قراءة بقية الموضوع »
السبت، 30 أبريل 2011

محاضرة هكذا ربى القرآن أمهات المؤمنين







الشيخ/ خالد بن عثمان السبت
ما أحوجنا في هذه الأيام إلى التربية القرآنية، ما أحوجنا أن نرجع إلى القرآن في وقت أصبحت تتقاذفنا كثير من الدعوات المضللة لا سيما فيما يتعلق بالمرأة المسلمة، ذلك أننا في زمان أصبحت المرأة فيه سلعةً رخيصة توضع على أغلفة المجلات بأوضاع فاتنة، وألبسة غير محتشمة.
لقد صارت المرأة يروج بها السلع المختلفة، وصارت توضع طعماً لربما في مواضع الاستقبال هنا وهناك؛ من أجل أن تنجذب النفوس الضعيفة، فيحصل الاتجار بالفضيلة والشرف والعفاف.
إننا في زمان تعالت فيه الأصوات التي تنادي وتطالب بخروج المرأة التي هي نصف المجتمع كما يزعمون، وأن المجتمع كالطير لا يحلق إلا بجناحين، وأننا لا يمكن أن نتقدم أو نتطور أو نزاحم الأمم المتحضرة بحال من الأحوال، إلا إذا أخرجنا المرأة من قرارها وبيتها، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [(5) سورة الكهف].
لقد وجد من يقول بأن ما نقرره في دروسنا ومحاضراتنا وفي فتاوانا لا يبنى إلا على أوهام لا على أدلة واضحة صحيحة صريحة يوقَف عندها، بل إن بعض المنتسبين للدين أو العلم أو الدعوة صار يردد كلاماً ما كنا نسمعه قبل ذلك؛ ذلك أنه صار يطرح طرحاً نشازاً، طرحاً غير مألوف في وقت الهزيمة.
يقولون: إن قاعدة سد الذرائع وإن وصورة الحجاب التي عليها المرأة المسلمة في بلادنا كل ذلك ليس ثمة دليل صريح عليه، وأن عمل المرأة مع الرجل جنباً إلى جنب ليس ثمة ما يمنع منه شرعاً، وأن علينا أن نطرح ما دلت عليه الأدلة الصريحة الواضحة من الكتاب والسنة فحسب! وهؤلاء لا شك أنهم مغالطون؛ ذلك أنهم يتكلمون بغير علم، أو أنهم يعلمون ويضللون الناس.
إننا في زمن أصيبت فيه كثير من النفوس بما أصيبت من الضعف والتراجع، وصرنا نرى من يطالب بمراجعة المواقف، فماذا نراجع؟ نراجع ديننا؟ نراجع كتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أم نراجع ماذا؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ما أحوجنا في مثل هذه الأيام إلى أن نرفع رؤوسنا، ونقول بملء أفواهنا: إن المنهج الذي رسمه القرآن هو المنهج، وإن الفهم الذي ينبغي أن يفهم به هذا القرآن إنما هو فهم السلف الصالح -رضي الله عنهم-.
ما أحوجنا إلى تكثيف الخطب والمقالات والكتابات والمحاضرات وألوان المدارسات في مثل هذه الأيام؛ فنحن -والحمد لله- كثير، وقد خرَّجت الجامعات الشرعية التي تحمل المنهج الأصيل منذ عشرات السنين أجيالاً متتابعة ممن يحملون العلوم الشرعية، فهذا أوانهم، فينبغي أن يظهر صوتهم دون تلك الأصوات النشاز التي ليست من العلم في قليل ولا كثير غالباً، حتى صار يتكلم أهل الصحافة وغيرهم، يتكلمون ويفتون بالمسائل الكبار من غير تورع، ومن غير تقىً لله -عز وجل-.
لقد أنزل الله -عز وجل- هذه الآيات التي يربى بها بيوت الأشراف، حيث قال الله -عز وجل-: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [(32) سورة الأحزاب].
{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء}: إن نفي المماثلة هنا يدل على رفيع المنـزلة وعلو الشرف.
{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}: أي أنكن أشرف من غيركن من النساء، وأعلى مقاماً، وأرفع درجة، فهذا الذي دل عليه نفي المماثلة.
{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}: دل ذلك على أن بيوت الأشراف، والبيوت الرفيعة، والبيوت الكريمة يصلح لها من التربية ما لا يصلح لغيرها، وأنهم ينبغي أن يكونوا في مقامات وأفعال وأقوال وأحوال تليق بمنازلهم الشريفة.
ثم انظر هذا التعليق، حيث قال الله -عز وجل-: {{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [(32) سورة الأحزاب]: وهذا هو الأرجح من أقوال المفسرين -والله تعالى أعلم- في موضع الوقف في هذه الآية؛ لأن الوقف فيها يحتمل موضعين؛ {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء}: أي أنتن أشرف من غيركن من النساء، ثم يكون الكلام: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [(32) سورة الأحزاب]، والأحسن أن يكون هكذا -والله تعالى أعلم- {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}: لأن نفي المماثلة لأحد من النساء إذا كان ذلك مع تقوى الله -عز وجل- ،ثم قال بعده: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: إن كنتن أشرف من غيركن مع تحصيل التقوى، أو في حال تحصيل التقوى، فينبغي ألا تخضعن بالقول فيؤدي ذلك إلى أمور لا تليق.
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: لستن كغيركن إن كنتن متقيات، وهذه التقوى تتطلب أخلاقاً من الأفعال والأقوال والأحوال، ينبغي أن تكون الواحدة منكن متحلية بها.
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، ولاحظ هذا التعبير {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}: المتبادر أن يقال: فلا تُخْضِعْنَ القول؛ لأن الإخضاع إنما يكون للقول –للكلام- يكون الكلام خاضعاً، تَخضَع في قولها، تُخضِع قولها، هذا هو المراد، والله تعالى أعلم.
لكن لماذا نسب الله -عز وجل- الخضوع إليهن، وأضافه إلى ذواتهن فقال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} [(32) سورة الأحزاب] لماذا لم يقل: (فلا تخضعن القول) كما هو المتبادر؟
يقال: لما للظاهر من الملازمة مع الباطن، فالظاهر ملازم للباطن؛ وذلك أن المرأة إذا تغنجت وتكسرت في كلامها ورققته، وأظهرت التأنث للرجال في قولها ومنطقها، فإن ذلك يورثها خنوعاً في ذاتها وتكسراً، وانكساراً أمام الرجال، وخضوعاً ببدنها؛ وذلك للملازمة بين الأمرين.
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}؛ لأن إخضاع القول يورث خضوع البدن، يورث التكسر في البدن، يورث إخضاعه للرجال، فلا تخضعن بالقول. وخضوع المرأة بقولها يكون بصور شتى: يكون حينما تختار المرأة الألفاظ والعبارات التي لا تصلح إلا لزوجها، فتتكلم بها، سواء في الهاتف، أو عبر الإنترنت، أو تتكلم بها مباشرة مع البائعين مع الطبيب، ومع غيرهم، فتتكلم وتتخير من الألفاظ ما لا يصلح إلا مع الزوج، فهذا من الخضوع بالقول.
ويكون الخضوع بالقول أيضاً حينما تتكلم بألفاظ لا عيب فيها، ولكنها تنطق وتؤدي هذه الألفاظ وتعبر بها بشيء من الغنج، وبشيء من الرخاوة، وبشيء من تمييع القول وتليينه للرجال الأجانب، ثم تحصل بعد ذلك النتيجة المتوقعة التي ذكرها الله -عز وجل- في هذه الآية
قال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: الفاء هنا تدل على التعليل، وهي مشعرة به، وهي تدل أيضاً على التعقيب.
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: الطمع هو انجذاب النفس، وميلها إلى الشيء الذي تشعر أنه قريب المأخذ والمنال؛ فالمرأة إذا تغنجت وزينت الكلام مع الرجال ولينته ورققته امتدت إليها النفوس الضعيفة، وطمع بها الذئاب، وصاروا يرون أنها قريبة المأخذ، وأنها في متناولهم، وأنها ممكنة لمن طلبها .

{فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}من هو الذي في قلبه مرض:
غالباً يعبر في كتاب الله -عز وجل- بهذا التعبير، ويراد به النفاق، وقد يراد به ضعف الإيمان، إلا في هذا الموضع، فالمراد بهذا الوصف هنا هو من كان فيه ميل محرم إلى النساء، قلبه ينجذب انجذاباً محرماً إلى النساء، يلتفت قلبه إلى النساء؛ ليقارف معهن ما لا يليق مما حرمه الله -عز وجل- كالزنا ونحوه، هذا الذي في قلبه مرض.
وبهذا نعلم أن أولئك الرجال الذين يضعون الشباك ليصطادوا النساء تارة عند المدارس -مدارس البنات- وتارة في أسواق النساء، وتارة عبر شبكة الإنترنت، أو غير ذلك، هؤلاء بنص كتاب الله -عز وجل- من الذين في قلوبهم مرض، {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}، وإذا كان ذلك مقولاً لأمهات المؤمنين -رضي الله تعالى عنهن- فغيرهن من باب أولى؛ ولكن قد يفهم من هذا النهي عن الخضوع بالقول أنها ترد على الرجال، وتكلم الرجال برد غليظ، وبكلام جاف مع غلظة وشدة، فبين الله -عز وجل- أن ذلك غير مراد، فقال: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [(32) سورة الأحزاب]، فالقول المعروف لا يكون فيه فضاضة وغلظة ترد على الرجل كأنها مغضبة، والقول المعروف لا تخضع فيه المرأة وتتغنج وتنعم كلامها وترققه مع الرجال الأجانب، والقول المعروف لا تتخير فيه المرأة الألفاظ التي لا تصلح إلا مع زوجها، أو لربما محارمها، هذا هو القول المعروف، يشمل هذه الأوصاف الثلاثة.

ثم لما أدبهن الله –جل وعلا- بالقول والكلام كيف تتكلم الواحدة منهن مع الرجال الأجانب، علمهن أدباً آخر فقال: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [(33) سورة الأحزاب].
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}: فيه قراءتان متواترتان، الأولى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وهي قراءة عاصم ونافع، والقراءة الثانية: (وقِرْن في بيوتكن) بكسر القاف، وبعض أهل العلم يقولون: إن معنى القراءتين واحد، فهو من القرار، وبعض أهل العلم يفرق بينهما وهذا التفريق ليس بين القولين فيه منافاة؛ {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} من القرار، من قرَّ الماء في الحوض، أي استقر، فتكون مستقرة، باقية غير خراجة ولا ولاجة، لأن المرأة التي تكثر الخروج في أول نهارها وفي آخره، لا يقال إنها قارة في البيت .

والقراءة الأخرى، (وقِرن في بيوتكن) فسرها جمع من الأئمة -أئمة التفسير- بمعنى الوقار، وقرن من الوقار، والمعنيان متلازمان؛ إذ أن وقار المرأة المسلمة يكمن في قرارها في بيتها، وذلك أن المرأة إذا كانت خراجة ولاجة فإن ذلك يكون على حساب وقارها ولا بد، وهذا أمر مشاهد، فإن المرأة الخراجة الولاجة يكون فيها من الجرأة ما لا يكون في غيرها عند النساء القارَّات في البيوت.
والمرأة إنما تمدح -حتى في كلام العرب وأشعارهم، ولربما وصفت بالقاصرة: أي التي تعكف في بيتها فلا تخرج منه ولا تراها الشمس- يمدحونها في أشعارهم، ومن أراد أن يقف على شيء جيد من ذلك فليراجع كتاب: الرحلة إلى حج بيت الله الحرام للشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- فله كلام جيد وأشعار جميلة في مثل هذا المعنى.
فالمقصود أن الوقار مقترن بالقرار، المرأة يكون وقارها على قدر قرارها، أما إذا كان خروجها لعمل تختلط فيه بالرجال الأجانب، فإن ذلك يمسح ماء وجهها، سواء كانت تعمل بائعة، أو كانت تعمل مسوِّقة، أو كانت تعمل في مكان تطبب فيه الرجال، أو تخالط الرجال بأي صورة من الصور، فإنها مهما كانت محافظة، أو تحاول أن تحافظ على حشمتها فإن وقارها يتناقص ولا بد. وقَرْن، وقِرْن في بيوتكن، ثم قال بعده {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [(33) سورة الأحزاب]: فالمرأة المتبرجة كيف تكون كذلك؟ يقال: بكثرة الخروج أن تكون خراجة ولاجة، ويكون ذلك أيضاً بالتكشف والتهتك باللباس والتعري أمام الرجال، ويكون ذلك بمزاحمة الرجال بالأسواق ومخالطتهم في أماكن العمل، يكون إذا كانت بائعة في الأسواق، إذا كانت هذه المرأة تعمل في كل مجال يتاح لها من غير حياء ولا حشمة ولا مراعاة للآداب الإسلامية؛ كل ذلك يكون من تبرجها.
ومن تبرج المرأة أن تسير في وسط الطريق، وقد نهى النبي –صلى الله عليه وسلم النساء عن السير في وسط الطريق، فقال –عليه الصلاة والسلام-: ((ليس للنساء وسط الطريق))[1]، ولقد أدركنا النساء في بعض النواحي يتشقق جانب عباءتها؛ لأنها إذا رأت رجلاً في الطرق التصقت بالحائط، وكانت الحوائط يومئذ مبنية من الطين ويخالطه -أعزكم الله– التبن من أجل أن يتماسك الطين، فلكثرة ما تلتصق المرأة بالجدار يتمزق جوانب عباءتها، وقد رأيت ذلك بعيني.
يقول الله -عز وجل- {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [(33) سورة الأحزاب]: الجاهلية هي حالة نفسية وواقعية وشعورية بعيدة عن الله -عز وجل- لا تهتدي بالوحي، هي حياة منسوبة إلى الجهل، هي فكر منحرف شاذ بعيد عن هدى الله -عز وجل- الذي بعث به أنبياءه ورسله -عليهم الصلاة والسلام- هذه هي الجاهلية، وانظر وتأمل كيف أضاف الله -عز وجل- التبرج إلى الجاهلية.
حدثني عدد من القريبات بقولهن: المرأة التي تضع عباءتها فوق رأسها، وتلبس القفاز، وتضع الخمار الكامل على وجهها من غير تلاعب بنقاب ونحوه يصفونها بأنها قديمة، وأنها متخلفة، وأنها رجعية، وأنها مقبورة، وأنها لا تعيش عصرها وزمانها، وأنها قد دفنت شبابها وجمالها، وأنها صارت في عالم غير العصر الذي تعيش فيه!!
أقول :: الله -عز وجل- أضاف التبرج إلى الجاهلية، فهو من أعمال الجاهلية، فمن هي المرأة الجاهلية، أو التي فيها خصلة من خصال الجاهلية؟ من هي المرأة المتخلفة؟ من هي المرأة الرجعية؟
هي المرأة التي تكون متبذلة، متبرجة متهتكة أمام الرجال الأجانب، وأما اللباس والحشمة والنقاء والطهر والعفاف فليس ذلك من أمر الجاهلية في شيء، فالتهتك والعري ليس شيئاً إلا من عمل الشيطان؛ هو الذي يدعو إليه، ويحض عليه، ويأمر به، فكل امرأة متهتكة -في عصرنا هذا وفي غيره من الأعصار- هي مستجيبة لأمر الشيطان؛ قد جعلت أمر الله -عز وجل- وراءها ظهرياً. {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}: وكفى بذلك قبحاً أن ينسب إلى الجهل وإلى الجاهلية، {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}: كيف كانت المرأة تتبرج في ذلك الزمان؟
غاية ما ذكره المفسرون أنها لربما وضعت خمارها على رأسها، ثم جعلته من خلفها فيبدو موضع القلادة، ولربما بدا موضع المقدم من شعرها، هذا هو تبرج الجاهلية الأولى، فأين التبرج الذي يفعله اليوم عارضات الأزياء؟!

أين التبرج الذي يفعل في مشارق الأرض ومغاربها على شواطئ البحار، وفي البرك وفي غيرها من أماكن القذر والتبذل والاستخفاف بكل ألوان الشرف والعفة والطهارة؟!
أين هذا مما يفعله كثير من بنات المسلمين -هدى الله الجميع وردهن إلى دينه رداً جميلاً- في صالات الأفراح، وفي المناسبات من إبداء الأجساد والتعري بصور مغرية تغري النساء الحاضرات؟! هذا كله من عمل الشيطان .
{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}: وكعادة القرآن إذا نهى عن شيء أمر بما يعمر القلوب، وبما تشغل به الأوقات بما ينفع، {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ} [(33) سورة الأحزاب].
ليست القضية أن ننهى الناس، لا تفعلوا كذا، هذا لا يجوز، هذا يحرم، هذا بدعة، هذا منكر॥الخ، هذا أمر مقصود لغيره كما قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود لذاته هو أن تعمر القلوب بطاعة الملك المعبود -جل جلاله- أن نعمر قلوب الناس بالإيمان، وبمحبة الله -عز وجل- والقرب منه، ونعمر القلوب بألوان الأعمال القلبية التي يكون المؤمن بها على الحال اللائقة التي تصلح للعبودية، أو لتحقيق العبودية مع الله جل جلاله .

قال الله -عز وجل-: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [(33) سورة الأحزاب]: نحن نقول للنساء: وقرن في بيوتكن؛ لكن المشكلة في عصرنا هذا إذا بقيت المرأة في بيتها ماذا تصنع؟
تبقى أمام شاشة، أو أمام كاميرا تتعرى فيها تعرياً كاملاً أمام ذئاب قد اصطفوا واجتمعوا ينظرون إليها بخبث وغدر، وهي تتبذل أمامهم بكل مهانة عبر الإنترنت؟!

تبقى في بيتها تقلب طرفها بين تلك القنوات التي تسلبها دينها وعقيدتها وإيمانها وعفافها !

تبقى في بيتها تقلب المجلات الهابطة! تبقى في بيتها تعبث بسماعة الهاتف فيصطادها ذئاب البشر!

ولهذا يقال في هذا الزمان: ينبغي على المرأة التي لا يوجد في بيتها ما يشغلها، وليس لها رصيد من تقوى الله -عز وجل- يردعها ويمنعها، ينبغي لها أن تذهب فتخرج لتلتقي بأخوات عبر المراكز الصيفية النسائية، وعبر حلق التحفيظ، وجمعيات تحفيظ القرآن، والأنشطة الطيبة الموثوقة التي يقوم عليها الخيرات من الداعيات إلى الله عز وجل .

تخرج المرأة التي لا تجد الكفاية في هذا الجانب في بيتها، وتخرج المرأة التي لا يوجد لدى الداعيات من يعوض مكانها إذا غابت، فتجتهد وتتقِّ الله في خروجها وتقلل منه ما استطاعت، فتخرج لتنفع الأخوات، وتعلم ما تحتاج إليه المسلمات، أما من وجدت كفايتها وما احتاج أخواتها إليها فإنها تبقى في بيتها .

هذا هو أمر الله -عز وجل- فأين أولئك الذين يدعون إلى فتح المجال أمام المرأة لتعمل في المصنع والمتجر وأماكن التجميل النسائية والصيدليات وغيرها من ألوان الأعمال التي تكون فيها أجيرة عند الآخرين؟
يقولون: إن نصف المجتمع معطل! الله يقول: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}، وأنتم تقولون: نصف المجتمع معطل؟!

ما هي حقيقة العمل في نظر هؤلاء المخادعين الذين يكذبون على الناس؟
حقيقة العمل عندهم أن تكون أجيرة عند غيرها، وأما التي تعمل في عملها الأصيل فترضع الصغير وتمرض المريض وتقوم على شؤون الدار، وتقوم على شؤون الزوج، وتقرأ كتاب الله –جل وعلا- وتشتغل بطاعته، فهذه عاطلة عندهم، وعندئذ يخدعونها ويستغفلونها ويستجرون قدمها حتى تخرج، فإذا خرجت حصلوا بغيتهم ومقصودهم بإفسادها، وإذا فسدت المرأة فسد المجتمع، نعم، ثقوا أنه إذا فسد النساء فسد الرجال، إلا من رحم الله وعصم، وهذا أمر مشاهد في العالم.

وأمر آخر مشاهد يُرد به على هؤلاء الأفاكين الكذابين، وهو أن بلاد المسلمين قد مرت بمثل ما تمر به بلادنا هذه قبل أكثر من مائة سنة، مروا بنفس الخطوات، وقام دعاة إلى أبواب جهنم، يرددون نفس الكلام، الذي يردده بعض الكُتَّاب في أيامنا هذه، فخرجت المرأة من قرارها وعفتها وحشمتها، وصارت تعمل في كل مكان صارت تعمل في كل مكان بلا استثناء

فهل تحضرت تلك الشعوب الإسلامية؟

هل صارت تلك الدول العربية في مصاف الدول المتقدمة؟
لقد أظهرت الإحصائيات ما يندى له الجبين حيث إن مستوى الاقتصاد لهذه الدول مجتمعة لا يعادل دولة أوربية واحدة ليست من الدول الكبرى وهي أسبانيا، الإنتاج المحلي لا يعادل دولة واحدة من دول أوربا، دول مجتمعة، يجمعها لغة واحدة ودين واحد، وعقيدة واحدة، لا تعادل دولة من دول أوربا، وليست الدول الكبرى.
النساء خرجن في الدول العربية منذ أكثر من مائة سنة، وأصبحن جدات -أعني أولئك المتبرجات- وصارت الواحدة تعمل في كل عمل مهين مشين، فهل صاروا في مصاف الدول المتقدمة؟ أبداً، هل انتهت مشكلة البطالة عندهم؟ أبداً، إنما يجمعهم وصف واحد في نظر عدوهم، بل هم يرددون هذه العبارة: العالم الثالث، العالم المتخلف .
الله -عز وجل- يقول: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [(33) سورة الأحزاب]: أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لماذا خص الصلاة والزكاة؟
يمكن أن يقال -والله تعالى أعلم-: إن الصلاة هي رأس العبادات البدنية، والزكاة هي رأس العبادات المالية، ويمكن أن يقال: إن سعادة العبد دائرة بين أمرين :


الأول: حسن الصلة بالله -عز وجل -

والثاني: الإحسان إلى الخلق

ورأس الصلة بالله، وحسن الصلة بالله هو الصلاة، ورأس الصلة بالخلق والإحسان إلى الخلق هو الزكاة، أن يحسن الإنسان إليهم بماله .
{وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ}: انظر كيف عبر الله -عز وجل- كما هي العادة في القرآن-: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ}، ما قال: (وأدين الصلاة)، وهذا فيه جواب كبير لسؤال يطرح دائماً، ولربما نسمع إجابات بعيدة، لربما نسمع من يقول: بأن الصلوات كالدواء إذا أخذت في أوقاتها أدت الثمرة ولو بعد حين.
نقول: لا حاجة لهذا الكلام؛ الله قال: {وَأَقِمْنَ}، والحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، الحكم في قول لله -عز وجل-: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [(45) سورة العنكبوت]، أي: لأن الصلاة تنهى؛ لأن (إنَّ) تدل على التعليل، أقم الصلاة؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، الحكم أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والوصف إقام الصلاة، والحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، معنى هذا الكلام أنه على قدر أداء الصلاة -على قدر إقامة الصلاة- يكون تأثيرها في نفس المصلي، هذا هو الجواب، والله تعالى أعلم.
هنا الله -عز وجل- قال: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ} [(33) سورة الأحزاب]: فإذا أقامت المرأة الصلاة ما الذي يحصل ؟

صار بقاؤها في بيتها خيراً لها؛ لأن إقامة الصلاة تنهاها عن الفحشاء والمنكر، فلا تدخل في حال أو تلابس أمراً لا يليق، لا تمتد يدها إلى الهاتف فتحادث محادثة محرمة، لا تخضع بالقول في الرد على الهاتف، لا تستخدم هذه الشبكة استخداماً غير لائق، لا تغتاب أحداً في بيتها، لا تكذب، لا تخون زوجها، لا تفعل شيئاً يشينها مما حرمه الله -عز وجل- عليها، كل ذلك يحصل إن تحقق إقامة الصلاة.
{وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ}: {وَآتِينَ الزَّكَاةَ}: هذا فيه وعد، وفيه بشرى لهن في ذلك الوقت؛ لأنهن فقيرات آنذاك يطالبن بزيادة النفقة، فأي زكاة تؤدى؟! فهذا يدل على أن الله سيوسع عليهن حتى يخرجن الزكاة .

ثم بعدما خص إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهي من طاعة الله ورسوله، عمم بالأمر بطاعة الله ورسوله فقال: {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [(33) سورة الأحزاب]: بالقرار في البيت، بالحشمة، بحفظ حدود الله -عز وجل- بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحفظ شرائع الإسلام، كل هذا داخل في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثم علل تلك التوجيهات فقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [(33) سورة الأحزاب]: كل ذلك، كل هذه التوجيهات، حصرها بهذه العلة، والحصر بـ(إنما) يعد من أقوى صيغ الحصر، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ}: والرجس: هو كل قذر ودنس وأذى من القذر المعنوي والقذر الحسي، كل دنس أراد الله -عز وجل- أن ينـزه بيت نبيه -صلى الله عليه وسلم- عنه، كل ما يدنس الفضيلة، كل ما يدنس الشرف، كل ما يدنس الدين، كل ما يدنس الأخلاق أراد الله أن يذهبه عن أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو أرفع البيوت .
فمن أراد أن يعرف الحصانة التي يمكن أن تحصن بها المجتمعات الإسلامية، من أراد أن يعرف السياج الحقيقي المتين الذي يمكن أن تحفظ به المرأة المسلمة والأسرة المسلمة، فهو فيما ذكر الله -عز وجل وهو اللطيف الخبير- يكون بذلك، بقرار النساء في البيوت، واشتغالهن بطاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا احتاجت إلى خروج أو إلى محادثة للرجال، فإن ذلك يكون على قدر الحاجة، بأقصر عبارة، وبأحسن أداء مما لا يعيبها ولا يقدح في حيائها وحشمتها وعرضها وشرفها.
هذه زوج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- ماذا قالت حينما بشرها الملائكة بالولد؟

عبرت بلفظتين اثنتين قالت: {عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [(29) سورة الذاريات]: ذكرت علتين الواحدة منهن تكفي لمنع الإنجاب، الأولى الكبر حيث ينقطع رجاء المرأة من الإنجاب، والثانية العقم، قَالَتْ {عَجُوزٌ عَقِيمٌ}، فما تكلمت بكلام طويل كثير، وهكذا أدب المرأة المسلمة، تختصر في الكلام، لا تطيل إذا استفتت في الهاتف، لا تطيل إذا تكلمت مع البائع، لا تطيل إذا احتاجت إلى أن ترد على الهاتف، وإنما تتكلم بالكلام الوجيز المختصر الذي تختار فيه العبارة اللائقة من غير خضوع بالقول .
{لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [(33) سورة الأحزاب]: فإذا حققت المرأة المسلمة هذا المعنى ذهب عنها الرجس والدنس مما يقذر الفضيلة وما يقذر الشرف والطهر، كل ذلك يذهب عنها إذا تخلقت بأخلاق القرآن، وتحلت بهذه الآداب التي أدبها الله -تبارك وتعالى- بها . هذا أمر مقرر في كتاب الله -عز وجل- لا مرية فيه، فليس من بنات أفكار البشر، وليس من اجتهاداتهم، ولا قول لأحد مع الله -عز وجل- {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [(51) سورة النــور]، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [(36) سورة الأحزاب].
فلا تثبت قدم الإسلام إلا على قاعدة التسليم لأحكام الله عز وجل .
من تأمل النصوص في كتاب الله -عز وجل- وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإنه يخرج بنتيجة لا شك فيها أن من مقاصد الشارع في تربية المرأة المسلمة أن تبتعد عن مواطن الرجال أعظم ابتعاد؛ لأنه كلما كانت المرأة أبعد عن مواطن الرجال فهو خير لها.

صلاة المرأة في بيتها خير لها من المسجد:
ما هي أشرف البقاع وما هي أحب البقاع إلى الله -عز وجل- وما هي أبغض البقاع إلى الله التي يغرز الشيطان فيها رايته؟
أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق[2]، وهي التي يغرز الشيطان فيها رايته، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم[3]، ولذلك فإن الشارع قصد إبعاد المرأة المسلمة عن مواطن الرجال حتى ولو كانت تلك الأماكن مساجد الله، فضلاً عن أن تكون أسواقاً يجتمع فيها الناس لأمورهم الدنيوية، ومن النصوص الدالة على ذلك ما أخرج الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان بإسناد حسن من حديث أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي -رضي الله عنها- أنها جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك"، امرأة أبي حميد في زمن الصحابة كيف تتخيل -يا عبد الله- أن تخرج هذه المرأة وغيرها من نساء الصحابة للصلاة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد النبوي؟ ما ذلك اللباس الذي تلبسه؟ ما مقدار الحشمة التي تتحلى بها مثل تلك الصحابية -رضي الله تعالى عنها؟
قالت: "إني أحب الصلاة معك"، تريد أن تخرج لأحب البقاع إلى الله -عز وجل- فماذا كان الجواب؟ قال: ((قد علمت أنك تحبين الصلاة معي))، إنها ما خرجت لتتلذذ بصوت الإمام الجميل، وما خرجت لتتعرض للرجال، وما خرجت للفرجة لترى الزحام، وما خرجت لتخرج مما تسميه كثير من النساء اليوم كبتاً في البيت.
قال: ((قد علمت أنك تحبين الصلاة معي)) لكن قال لها -صلى الله عليه وسلم-: ((وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي))[4].
صلاتها في البيت أفضل من الصلاة في مسجد الحي، وصلاتها في مسجد الحي أفضل من صلاتها في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو في المسجد الحرام خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الزمان، فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه، حتى لقيت الله عز وجل[5].
وأخرج أحمد والطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه والحاكم من حديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((خير مساجد النساء قعر بيوتهن))[6].
وأخرج عنها الطبراني في الأوسط بإسناد حسن أنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في دارها، وصلاتها في دارها خير من صلاتها خارج))[7].
وعند أبي داود بإسناد صحيح من حديث ابن عمر مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن))[8]. وعند الطبراني في الأوسط بإسناد صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((المرأة عورة))[9]: المرأة عورة ولو خرجت متحجبة، فأين الذين يقولون: ما المانع أن تخرج الداعيات عبر القنوات الفضائية لتقدم بعض البرامج الدعوية؟
أين الذين يقولون: ما المانع أن نوجد قناة للمرأة تخرج فيها المرأة الداعية وتوصل صوتها ليسمعها العالم، بدلاً من أن يتكلم أولئك المضلات الفاتنات المفتونات؟!
نقول: المرأة عورة، وينبغي أن نفقه هنا معنى كلمة عورة، العورة كل شيء يحتاط له، ويحترز له، ويتخوف من ناحيته.
فالعورة تطلق بإطلاقات متعددة يجمعها هذا المعنى، فالمرأة يتخوف عليها ويحتاط لها، والشارع قصد الاحتراز للمرأة وحفظها وصيانتها، فكيف يقال: تخرج في القنوات الفضائية بحجة أن صوت المرأة ليس بعورة؟
نقول: ماذا تقصد بقولك أن صوت المرأة ليس بعورة ؟ هل تقصد أنه يحرم أن يسمعها الرجل، لا يحرم أن يسمعها الرجل بدليل هذه الآيات: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [(32) سورة الأحزاب]، لكن إذا قيل: صوت المرأة عورة بمعنى أنه يحتاط له، فهذا صحيح، فكيف يطالب أن تلقي محاضرات يسمعها الرجال؟ والرجل إذا سمع صوت المرأة تحركت نفسه؛ لأنها -ولا بد- محلٌ ركبها الله -عز وجل- تركيباً يميل الرجل إليه ميلاً طبيعياً، والعكس صحيح.
فأقول: النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان))[10]:
ما معنى استشرفها الشيطان ؟ هل المعنى أنه هم بها، وأغرى بها ؟ أم أنه حرك النفوس المريضة لأولئك الذين تمتد أنظارهم إلى النساء الذين إذا رأوا امرأة أو سواداً من بعيد التفتوا يغريهم الشيطان، فينظرون إليها ولو كانت محجبة، لذلك ليس للمرأة أفضل من دارها حيث لا ينظر إليها الرجال ولا تمتد إليها نفوسهم. يقول -عليه الصلاة والسلام-: ((وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها))[11]. وفي حديث ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ما صلت امرأة صلاة أحب إلى الله من أشد بيتها ظلمة))[12]، فكيف بخروجها تبيع في الأسواق؟
الصلاة في أكثر مكان في بيتها ظلمة، كيف تكون بائعة؟ كيف تشتغل في الشركة؟ كيف تشتغل في المستشفى؟ كيف تكون مقدمة برامج؟.
وقال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أيضاً: "النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس فيستشرفها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضاً، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها"[13] وإسناده حسن عند الطبراني.
وثبت عنه مرفوعاً كما عند أبي داود وابن خزيمة: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها))[14]. صلاتها في مَخدعها ويقال: مُخدَعها، ما المراد به؟
البيوت قديماً كانت غرفة المرأة فيها غرفة صغيرة يوضع فيها نفيس المتاع، فهذا هو مخدعها، بمعنى أنها تصلي في غرفة بداخل غرفتها، فهذا أفضل من صلاتها في بيتها، والمراد بـ(بيتها) في هذا الحديث -والله أعلم- أي في غرفتها -ما نسميه اليوم غرفة المرأة- فصلاتها في ذلك المكان في داخل الغرفة أفضل من صلاتها في الغرفة التي في بيتها .
((وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها)): والمراد بالحجرة في الحديث -والله تعالى أعلم- ما نسميه اليوم بالصالة، وهو المكان الذي تطل عليه الأبواب أي أبواب الغرف .
فالمقصود أن المراتب بهذا الشكل، صلاتها في تلك الغرفة التي داخل غرفتها، أفضل من صلاتها في غرفتها -التي هي بيتها هنا- وصلاتها في غرفتها -أي في بيتها- أفضل من صلاتها في حجرتها –أي في الصالة- ((وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في دارها)): والمقصود بدارها يعني في البيت والذي نسميه الآن المنـزل فنائه وبنائه، كل ذلك يقال له: دار، فانظر هذا التقسيم داخل المنـزل، كم هي مراتبه؟
مخدعها وبيتها وحجرتها ودراها، أربع مراتب في المنـزل، ثم يلي ذلك مسجد الحي، ثم يلي ذلك جامع الحي، ثم يلي ذلك الصلاة في المسجد الحرام أو مع النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا في عبادة، فكيف إذا كان الخروج للأسواق أو للمنتزهات التي فيها الاختلاط والسفور وألوان الردى تتبعها أنظار من لا يخافون الله -عز وجل- ولا يتقونه يتمتعون بالنظر إليها، وهذا الذي قصده الشارع في تربية المرأة المسلمة.
وقد رأى ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- النساء في المسجد الجامع، فكان يخرجهن من المسجد يوم الجمعة، ويقول: "اخرجن إلى بيوتكن خير لكن"[15] وعلى كل حال فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن منع النساء من شهود الصلاة في المساجد.
وفي زماننا قد تحتاج المرأة المسلمة فيه إلى حضور مجالس الخير والذكر والعلم، وألوان من الأنشطة الموثوقة الطيبة، ولا بأس إذا كانت المرأة فقيرة أو محتاجة أن تعمل، وإلا فالأصل أن تعطى من بيت مال المسلمين ما يكفيها، وخاصة إذا كانت أرملة فقيرة فينبغي أن تكفى فلا تحتاج إلى الخروج؛ لكن ما هي نسبة هؤلاء بالنسبة إلى عموم النساء؟
لا شك أنهن قلة، لذلك لا داعي لأن تخرج الغنية والفقيرة من النساء للبحث عن الأعمال بطريقة مسعورة، حتى صارت النظرة إلى المرأة التي لا تعمل نظرة انتقاص؛ وهذا انتكاس في المفاهيم والعياذ بالله.
إن المرأة التي تحتاج إلى العمل لا مانع أن تعمل بحشمة فيما يلائمها، فتكتسب إن لم يوجد من يعولها؛ لكن للأسف الشديد من الذي أصبح يتنافس على الوظائف من النساء؟
الأغنياء منهن ذلك أنك تجد المرأة غنية، وأهلها أغنياء، وتجد أنها تذهب إلى عملها ربما مئات الأميال أحياناً عن بيتها مع سائق، ولربما في أماكن داخل الصحراء تتعرض للأخطار والحوادث وهي غنية، بل لربما كان أهلها من الأثرياء، ومع ذلك فهي تحتج أنها درست سبع عشرة سنة، ثم تبقى في بيتها، وهذا لا يليق ولا يصح من وجهة نظرها!
لابأس إن كان لديها فضل وقت فتذهب مع الأخوات الصالحات في أنشطة تبني ولا تهدم، فهكذا علمنا القرآن، وهكذا أدبنا القرآن، ونحن يجب علينا أن نستجيب لأمر الله عز وجل؛ لأن هذا هو مقتضى الإيمان . والنبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا قال لأزواجه في حجته -حجة الوداع- قال: ((هذه ثم ظهور الحصر))[16]: ما معنى هذه ثم ظهور الحصر؟ المعنى أي والزمن الحصير ملازمة، بمعنى أنها لا تخرج لا لحج ولا لعمرة، ولا لغيره.

وقد قيل لسودة -رضي الله عنها- لم لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟ فقالت: "قد حججت واعتمرت، وأمرني الله أن أقر في بيتي، فو الله لا أخرج من بيتي حتى أموت"، يقول الراوي: "فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها": هؤلاء أمهات المؤمنين المستجيبات لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

ليس على النساء غضاضة في أن تكون مكفية، بل هذا هو منتهى الإكرام للمرأة، والعرب في أشعارهم يمدحون المرأة التي يسمونها نؤوم الضحى؛ لأنها امرأة مترفة في نظرهم، ويوصفون المرأة بأنها لم ترها الشمس، ويضربون المثل للحياء الشديد بالعذراء في خدرها، ما رآها رجل، وما رأت رجلاً، وما كلمت رجلاً أجنبياً، تكون درة مصونة محفوظة لا يتمتع بالنظر إليها كل آسر وكاسر .
إن العاقل من وعظ بغيره، انظروا إلى العالم من حولكم، الذين يكتبون في الصحف ويطالبون ويقولون: إن قيادة المرأة للسيارة يغنيها عن مآسٍ كثيرة، فلا تحتاج إلى السائق، وهذا له تكاليف باهظة..الخ، وهذا كذب؛ ففي البلاد التي من حولنا صار النساء يقدن السيارات أليس كذلك؟ هل استغنوا عن السائقين؟
أبداً، وإنما كانت النتائج عكسية، حينما يقولون: إن خروج المرأة ينعش الاقتصاد، إذا خرجت للعمل، والحقيقة أن الإحصاءات العالمية التي أخرجتها الأمم المتحدة أثبتوا أن المجتمعات التي تعمل فيها النساء أجيرات يكلف اقتصاد تلك البلاد ما يقارب ثلاثين بالمائة يكون عبئاً على الاقتصاد.
الذين يقولون: إن التقدم لا يمكن إلا بخروج المرأة تعمل جنباً إلى جنب مع الرجل، وخرجت تلك النساء، هل صاروا في مصاف الدول المتقدمة؟ هل صاروا من الأمم المتحضرة؟ أبداً.
النساء اللاتي خرجن وزاحمن الرجال في كل مكان، هل حصلن الرفعة والشرف والمكانة، أم أن الواحدة منهن تقول: ارجعوني إلى أنوثتي، ارجعوني إلى بيتي، أريد أن أكون ملكة كملكات الشرق -تعني المرأة المسلمة- أليس كذلك؟
ألم تصبح المرأة في مجتمعاتهم سلعة يعبث بها الرجال، وتشعر أنها مهددة في كل لحظة ولا تشعر بالأمان، وتبحث عن رجل يأخذ عفتها وشرفها ويستمتع بها، ثم يلفظها ثم يكون ملجؤها إذا ذهب جمالها وشبابها إلى دور العجزة، أليس هذا هو واقع النساء هناك؟
المرأة عندنا يقوم على شؤونها أبوها وأخوها ووليها ومحرمها، وينفق عليها وجوباً ويحفظها، ويوفر لها ما تحتاج إليه بكل احترام وتقدير؛ فهي أمنا أو أختنا أو زوجتنا أو قريبتنا، هكذا تمثل المرأة، فنحن نحترمها غاية الاحترام؛ لأنها تمثل لنا هذه الوشيجة، وهذا أمر ينبغي أن نفهمه جيداً؛ لئلا نخدع، لئلا تستزل قدم بعد ثبوتها، ثم نندم، ولا ينفع الندم عندئذ.
ثم يقول الله -عز وجل-: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}: هذا ما تشتغل به المرأة المسلمة في بيتها، إقام الصلاة إيتاء الزكاة، طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى}: اذكرن بقلوبكن، واذكرن بألسنتكن بالتلاوة، واذكرن –أيضاً- بالحال والفعل والعمل بالقيام بوظائف العبودية، فكل هذا من الذكر.
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ}: ولم يقل: ما يتلوه جبريل -صلى الله عليه وسلم- أو ما تتلوه الواحدة منكن، أو ما يتلوه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ليعم ذلك جميعاً.
{مَا يُتْلَىَ}: وما قال: ما ينـزل؛ لأن بعض القرآن نزل في غير بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-. {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}: من القرآن والسنة فتشتغل بذلك تعلماً وتفهماً وتدبراً وتلاوة وحفظاً وعملاً.

{إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}: اللطيف: هو الذي يعلم دقائق الأشياء، فيعلم خلجات النفوس، وما تنطوي عليه القلوب، ويعلم المرأة التي تخضع لأمر الله وتستجيب، والمرأة التي تتمرد وتقول: لماذا تكون المرأة محكومة بهذه الأحكام؟ ويعلم ما تفعله المرأة وهي داخل دارها -في بيتها- من حلال وحرام
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}: والمعنى الآخر للطيف من اللطف، أي أن هذه الأحكام من لطف الله -عز وجل- ورأفته ورحمته بالمرأة المسلمة؛ لئلا يلحقها العنت، لئلا تشقى .

والخبير: هو الذي يعلم بواطن الأشياء، فالله -عز وجل- يعلم دقائق الأشياء، ويعلم بواطنها ولا يخفى عليه شيء، فلا يجوز لأحد أن يستدرك على الله -عز وجل- ويقول: إن هذه الأحكام لا تصلح لهذا القرن في هذا الزمان، أو الزمان قد تغير، أو المرأة ينبغي أن تقتحم جميع المجالات، وتثبت جدارتها ووجودها، والحقيقة والصواب أن تثبت المرأة جدارتها ووجودها بتربية الأجيال.
ثم قال –جل وعلا-: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} [(35) سورة الأحزاب]: بدأ بالتدرج من الأدنى إلى الأعلى، الإسلام هو إسلام الظاهر، تلتزم المرأة بالحجاب، تلتزم بالحشمة، تلتزم بشرائع الدين الظاهرة.
{وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}: فيكون ذلك مع خضوع الباطن، وانقياد القلب وتسليمه وإقراره واعتقاده، تكون مقتنعة منقادة بقلبها، لا لأن أباها أو أن زوجها يفرض عليها هذه الأمور، فلا تستطيع أن تتهتك وتلبس عباءة مخصرة، أو تتعرى بصورة من الصور، بل عن قناعة وإيمان تعتز بهذه الأمور.
{وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} القنوت بجميع استعمالاته ومعانيه -كما قرر الشيخ تقي الدين ابن تيمية في رسالة مستقلة في معنى القنوت- أن القنوت هو دوام الطاعة، فلا تلتزم بالقفازات والحجاب وأحكام الإسلام أسابيع ثم ترجع عن ذلك، يكون ذلك طفرة، ثم بعد ذلك يحصل لها الضعف والتراجع والانتكاس، بل القنوت هو دوام الطاعة حتى تلقى الله -عز وجل-، أن تبقى بالحشمة والحجاب والعمل الصالح والإيمان والكف عما لا يليق مما حرمه الله -عز وجل- وتدوم على ذلك حتى تلقى ربها .

{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ}: الصدق في الاعتقاد، الصدق صدق الباطن بأن يكون الإنسان على حال مرضية في باطنه، يعتقد الحق ويؤمن به وينقاد له، ويكون الصدق أيضاً بالقول فيتكلم بالحق وينطق به ولا يتكلم بالباطل ويلبس على الناس، أو يعترض على أحكام الله -عز وجل- بل تلتزم الصدق .

{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ}: ويكون الصدق أيضاً بالعمل والظاهر، فلا تظهر عملاً باطنها يخالفه، ويكون الصدق بالحال فلا تكون في حال غير متوافقة مع مكنونات نفسها.

{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ}: صدق الحال، وصدق المقال، وصدق العمل، وصدق الظاهر، وصدق الباطن، كل هذا من الصدق.
{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ}: هذه الأمور تحتاج إلى صبر، تحتاج إلى صبر في سماعها؛ لأن النفوس قد مزجت فيها الأهواء وركبت معها تركيباً يمازجها.
والشريعة كما قال الشاطبي -رحمه الله-: "قد وضعت على خلاف وزان داعية الهوى"، فالهوى يجلبك من جهة، والشريعة تريد أن ترفعك من الهوى، فسماع الحق أحياناً يتأذى منه الإنسان، المرأة التي عندها هوى حينما تسمع هذه القضايا والأحكام تتأذى وتتألم كأنها سهام توجه إليها.
إن الإنسان يحتاج إلى صبر لتفهم هذه الأمور، ويحتاج إلى صبر في العمل والتطبيق؛ لأنه يعاب وينتقد وينتقص ويذم ويجد من يحرضه إلى الباطل والمنكر، والنفس تدعوه إلى الإخلاد إلى الشهوات والراحة والدعة، فيحتاج إلى صبر على طاعة الله -عز وجل- ويحتاج إلى صبر عن معصيته .
{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ}: والخشوع يكون بالتذلل والخضوع والاستكانة لله رب العالمين، كل هذا بالتدرج، والإنسان لا يصل إلى مرتبة الخشوع إلا إذا ارتاض باطنه بالإيمان، وأصبح مطوعاً لنفسه بألوان المجاهدات، كما قال بعض السلف: "كابدت الصلاة عشرين سنة، وتلذذت بها عشرين سنة"، وآخر يقول: "كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي"، فالقضية تحتاج إلى مزيد من بذل الجهد، فكلما تزداد مجاهدة كلما تتمكن من النفس، فإذا استقامت النفس وخضعت حصل الخشوع، فإذا رأيته ذكرت الله -عز وجل- وإذا وقعت عينك عليه أحببته، وهذه مراتب عالية في الإيمان .

ثم بعد ذلك يبرهن على إيمانه، {وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ}: كلمة صدق تدل على قوة وثبوت في الشيء، الصداق -صداق المرأة- لماذا قيل له صداق؟ لأنه حق ثابت لها، الصدقة لماذا قيل لها: صدقة؟
النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((والصدقة برهان))[17]: أي تبرهن على صدق دعوى الإيمان، كما أن بذل النفس في سبيل الله -عز وجل- يقال له: شهادة، المال حبيب إلى النفوس، وإخراجه يحتاج إلى مجاهدة:
لولا المشقة ساد الناس كلهم **** الجود يفقر والإقدام قتالُ
{وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ}: والصوم والصبر متلازمان، وهو عبادة لا يطلع عليها أحد، فلا يدخلها الرياء، إلا إذا تصنع أمراً ظاهراً صحبه، ولذلك كان من شرف الصوم أنه لا يدخله الريا، وهكذا الأعمال القلبية أيضاً، لا يدخلها الريا؛ لأن الريا متعلق بالنظر والرؤية، لكن يدخله السمعة، يتحدث أنه صام.
والله يقول: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [(10) سورة الزمر]: والله يعطي الصائم أجره غير منقوص كما في الحديث القدسي: ((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))[18].
{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ}: انظر إلى هذا الترتيب كيف ذكر الصوم والصبر والخشوع، ثم ذكر حفظ الفرج، من كان بهذه المثابة فهل يقارف ما لا يليق؟ أبداً.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء))[19]: فالصوم والمقصود إكثاره وإدمانه -كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله- يورث كسر الشهوة، وهو كسر مؤقت، يورث كسر الشهوة إذا داوم الإنسان عليه وأكثر منه، وأدمن على الصيام، لا من يصوم يوم ويفطر أسبوع، هذا قد لا يؤثر فيه كسر هذه الشهوة .
{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ}: يحفظ فرجه عن مقارفة ما لا يليق، كما قال الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [(5-7) سورة المؤمنون]: كل مقارفة ببذل الشهوة في غير الزوجة وملك اليمين فهي محرمة، سواء كانت بالزنا أو ما دونه بنص كتاب الله -عز وجل-.
وحفظ الفرج يشمل حفظ العورات، فلا تبدى أمام الناظرين، كما قال الله -عز وجل- في سورة النور: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [(30) سورة النــور]: والذي عليه عامة المفسرين، وهو قول كبير المفسرين -ابن جرير الطبري -رحمه الله- والآية تشمل المعنيين والله أعلم- أن قوله في سورة النور: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}: أي عن إبدائها للأنظار، يغضوا من أبصارهم فلا ينظرون إلى عورات الآخرين، ويحفظوا فروجهم فلا يبدونها للناظرين، ويشمل حفظها أيضاً عما لا يليق من مقارفة ما لا يحل। {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ}: حفظها بسترها وحفظها عن المقارفة المحرمة .

{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}: لا توجد عبادة في كتاب الله -عز وجل- قرنت بالكثرة كالذكر، {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [(41-42) سورة الأحزاب] {فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [(103) سورة النساء]، لماذا؟
لأن الذكر خفيف على اللسان، لا يحتاج إلى هيئة معينة أن تذكر وأنت قائم أو مستقبل القبلة أو قاعد، وأنت قائم وأنت على جنب بل في كل الأحوال، ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحواله -صلى الله عليه وسلم-[20].
فذكر الله لا يتطلب مشقة، وله أجر عظيم عند الله -عز وجل- ولهذا إذا أمر الله به غالباً يقرنه بالكثرة، فهنا قال: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا}: ووصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، وذكر الله الكثير يشمل ذكره باللسان، وذكره بالقلب بطرح الغفلة، فلا يكون غافلاً مضيعاً مفرطاً، ويشمل ذكره أيضاً بالعمل، وهو من أجلِّ الذكر بالقيام والقعود في طاعة الله -عز وجل- والمشي إلى المساجد وما إلى ذلك، ويشمل ذكره بالحال، كل هذا من ذكره تبارك وتعالى .

{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ}: هذه اللفظة {أَعَدَّ} تدل على عناية بالمعَدّ، أعد الله لهم ماذا؟
{مغفرة}: ونكَّرها هنا، تعظيماً لها، فإن التنكير يأتي في كثير من الأحيان للتعظيم، {مغفرة}: أي عظيمة، وإذا قلت: رب اغفر لي فا المراد؟ هذا يشمل شيئين اثنين :

الأول: الستر، والثاني: الوقاية، ومنه المغفر الذي يضعه المقاتل من الحديد فوق رأسه كالقبعة؛ لأنه يقيه ضرب الحديد ويستر رأسه، أي يغطيه، فأنت إذا قلت: يا رب اغفر لي، اللهم اغفر لي، فأنت تسأل شيئين اثنين: الأول: أن تستر فلا تفتضح، أي يسترك الله في الدنيا والآخرة، والأمر الثاني: وهو أن يقيك الله -عز وجل- التبعة -تبعة الذنب والمعصية- فلا تؤاخذ بها، فالستر والوقاية، أن توقى شؤم الذنوب وتبعات المعاصي والمخالفات.
والأجر العظيم كما أخبر الله -عز وجل- أنه يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد دل على ذلك نصوص كثيرة من كتاب الله عز وجل.
والكلام في هذه الآيات كلام يطول به المجلس، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وكان المقصود هو المذاكرة والعيش مع كتاب الله -عز وجل- في هذا الوقت الذي نحتاج فيه إلى مثل هذه الذكرى، فأسأل الله -عز وجل- أن يغفر لي ولكم أجمعين...
------------------------------------
1- رواه ابن حبان في صحيحه برفم (5601) (12/415) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (7823) (6/174) وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (5425).
2- ثبت ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلفظ: ((أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا)) انظر صحيح مسلم رقم (671) باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح وفضل المساجد (1/463).
3- صحيح مسلم (2451) باب من فضائل أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها (4/1906)
4- أخرجه أحمد (27135) (6/371) وابن خزيمة (1689) (3/95) ابن حبان (2217) (5/595) وقال الألباني: "حسن لغيره" انظر صحيح الترغيب والترهيب (340) (1/ 82).
5- المصدر السابق نفسه
6- أخرجه أحمد (26584) (6/297) وابن خزيمة (1683) (3/92) والحاكم (756) (1/327) والطبراني في الكبير (709) (23/313) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: (3327).
7- أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (9101) (9/48) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (342) إلا أنه قال في آخره: (وصلاتها في دراها خير من صلاتها في مسجد قومها).
8- أخرجه أبو داود في باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (567) (1/210) وصححه الألباني في تحقيق سنن أبي داود (530).
9- أخرجه الترمذي (1173) باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات (3/473) والطبراني في الأوسط (8096) (8/101) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6690).
10- المصدر السابق نفسه.
11- أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط بهذا اللفظ (8096) (8/101) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2688).
12- أخرجه البيهقي في الكبرى (5145) (3/131) وذكره الألباني في ضعيف الجامع برقم (11872).
13- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8914) (9/185) وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(ج 1 / ص 84) صحيح موقوف.
14- أخرجه أبو داود(570) باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد - باب التشديد في ذلك (1/211)وصححه الألباني في صحيح الجامع (3833).
15- أخرجه الطبراني في الكبير برقم (9475) (9/294) وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (349) (1/84): صحيح لغيره موقوف".
16- أخرجه أبو داود (1722) في كتاب المناسك باب فرض الحج (1/538) وأحمد (9764) (2/446) وابن حبان (3706) (9/20) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم:(7008).
17- أخرجه مسلم (223) في كتاب الطهارة باب فضل الوضوء(1/203)
18- أخرجه البخاري (1805) في كتاب الصوم باب: هل يقول إني صائم إذا شتم (2/673) ومسلم (1151) في كتاب الصيام باب فضل الصيام (2/806).
19- أخرجه البخاري (4779) في كتاب النكاح باب باب من لم يستطغ الباءة فليصم (4/1929) ومسلم (1400) في كتاب النكاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم (2/1016).
20- رواه البخاري معلقاً في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- كتاب الأذان -باب هل يتبع المؤذن فاه ههنا وههنا وهل يلتفت في الأذان (1/227).
-------------------------------

المصدر : موقع فضيلة الشيخ خالد السبت

أكمل قراءة بقية الموضوع »
الأحد، 17 أبريل 2011

محاضرة الأبناء عطاء أم شقاء







لحفظ المحاضرة اضغط على الصورة أعلاه


أكمل قراءة بقية الموضوع »
الأربعاء، 23 فبراير 2011

محاضرة موقف المسلم من الفتن / د.نوال العيد




محاضرة موقف المسلم من الفتن للد. نوال العيد من صفحتها على الفيس بوك
























أكمل قراءة بقية الموضوع »
الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

الحيــــــ فرصــــة ـــــــــــاة

محاضرة للشيخ خميس الزهراني

لإستمـــــــــــاع المحـــــــــــــاضرة


أكمل قراءة بقية الموضوع »
السبت، 9 أكتوبر 2010

لم يهرب الأبناء ؟؟



لم يهرب الأبناء ؟؟

محاضرة صوتية للد.عبد العزيز بن عبدالله المقبل




لحفظ المحاضرة







أكمل قراءة بقية الموضوع »
الاثنين، 4 أكتوبر 2010

الصدِّيقة بنت الصدِّيق


ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عواد المغامسي حفظه الله إمام وخطيب جامع قباء

خطبة يوم الجمعة 8/10/1431هـ تناول فيها فضل أمنا الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن ابيها ، وردَّ فيها على الافتراءات التي طالتها رضي الله عنها وعن أبيها.





لحفظ المحاضرة
هنـــــــــــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر : موقع الراسخون في العلم





أكمل قراءة بقية الموضوع »
الثلاثاء، 14 سبتمبر 2010

من عقوبات المعاصي



ـ ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال : "اعبدوا الله كأنكم ترونه ، وعدّوا أنفسكم من الموتى ، واعلموا أن قليلا يُغنيكم خير من كثير يلهيكم ، واعلموا أن البِِر لا يبلى ، وأن الإثم لا يُنسى"

ـ وقال سليمان التيميّ : "إن العبد ليُصيب الذنب في السّرِ فيُصبح وعليه مذلته"

ـ وقال يحيى بن معاذ الرازي : "عجبت من ذي عقل يقول في دعائه : اللهم لا تُشمت بي الأعداء ثم هو يُشمت بنفسه كل عدوّ له،قيل : وكيف ذلك ؟ قال : يعصي الله ويُشمت به في القيامة كل عدو "

ـ وقال ذو النون : "من خان الله في السِّر هتك الله ستره في العلانية "

وللمعاصي والذنوب من آثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله علاّم الغيوب .

فلتستمع لهذه الآثار في سلسلة "عقوبات المعاصي" للشيخ : محمد سعيد رسلان



الشريط الأول :



للحفظ



الشريط الثاني :




للحفظ



الشريط الثالث :



للحفظ



الشريط الرابع :



للحفظ



أكمل قراءة بقية الموضوع »

منظر من اليمن

منظر من اليمن

من أنا

صورتي
أنا قلب ينبض بالحب ويزهر بالعطاااااااااء ... أنا شوق تعدى حدود المجرة والفضاااااء..... أنا من تحبكم في الله ...

المتابعون

المتواجدون الآن

اشتياقي لك غريب

وصف المدونة

مدونة ضمنتها قطوف من الفوائد وروائع الكلم لتكون واحة غناء يستظل بها زائرها فيستنشق من عبيرها كل ماهو مفيد وممتع .سائلة المولى الإخلاص والقبول
قال ابن القيم : إياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك،فإنه يُفسدها عليك فسادا يصعب تداركه ويُلقي إليك أنواع الأفكار المُضرة ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك،وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك . .

إحصائيات المدونة